السماد بعد الحصاد جريمة إدارية من يحاسب من أفسد الموسم
كتب عماد نويجى كفر الشيخ
هناك مشاهد لا تحتاج إلى تعليق لأنها فى حد ذاتها إدانة كاملة
أن يستلم الفلاح حصته من السماد بعد أن يصبح محصوله جاهزا للحصاد فهذه ليست أزمة عابرة ولا مجرد خلل فى الإجراءات بل شهادة رسمية على أن المنظومة فقدت قدرتها على إدارة واحد من أهم عناصر الإنتاج الزراعى
السؤال الذى يفرض نفسه بقوة ليس لماذا تأخر السماد بل لماذا اعتادت الجهات المسئولة التعامل مع هذا التأخير وكأنه أمر طبيعى يتكرر كل موسم دون أن يحاسب أحد
لنكن واضحين
الجمعيات الزراعية ليست بريئة تماما
هناك أخطاء فى التوزيع وهناك شكاوى متكررة من غياب تكافؤ الفرص ومن حصول البعض على احتياجاته بسهولة بينما يظل آخرون فى طوابير الانتظار لكن هذه الأخطاء رغم خطورتها ليست أصل الأزمة وإنما هى نتيجة مباشرة لأزمة أكبر تبدأ قبل أن تصل شحنة سماد واحدة إلى مخازن الجمعيات
جوهر المشكلة هو الالتزام بتوريد النسب المقررة من مصانع الأسمدة إلى وزارة الزراعة فى التوقيتات المحددة
إذا كانت المصانع تحصل على الغاز والطاقة والتسهيلات من أجل دعم الإنتاج الزراعى فمن غير المقبول أن تتأخر فى الوفاء بالتزاماتها ثم يدفع الفلاح وحده ثمن هذا التقاعس
هذه هى نقطة البداية
فإذا تعطلت البداية انهارت المنظومة كلها
لا تستطيع وزارة الزراعة أن توزع ما لم تستلمه ولا تستطيع الجمعية أن تصرف ما لا تملكه ولا يستطيع الفلاح أن ينتظر حتى تنتهى دورة الإنتاج ثم يقال له تفضل هذه حصتك
السماد ليس سلعة كمالية تؤجل إلى وقت الفراغ
السماد يرتبط بمواعيد دقيقة وإذا ضاع موعد التسميد ضاع معه جزء من الإنتاج وربما ضاع الموسم كله
ولهذا فإن وصول السماد بعد انتهاء موعد استخدامه لا يعد خدمة للفلاح بل اعترافا صريحا بأن المنظومة أخفقت فى أداء مهمتها الأساسية
الأكثر إيلاما أن الفلاح عندما لا يجد السماد فى الجمعية لا يملك رفاهية الانتظار
يذهب إلى السوق الحرة ويدفع أضعاف السعر حفاظا على محصوله بينما يتحمل وحده تكلفة التأخير الذى لم يكن طرفا فيه
الدولة تدعم الزراعة من أجل زيادة الإنتاج وتحقيق الأمن الغذائى لكن هذا الهدف لا يمكن أن يتحقق إذا لم يكن هناك التزام صارم بتوريد الحصص المقررة فى مواعيدها
إن أى تأخير فى التوريد يجب أن يقابله تحقيق ومساءلة لأن خسارة الموسم الزراعى لا تقل خطورة عن إهدار المال العام
أما الاكتفاء بتبادل الاتهامات بين المصانع والجمعيات والوزارة فلن يزرع فدانا واحدا ولن يعوض فلاحا خسر إنتاجه
الإصلاح الحقيقى يبدأ من قرار واضح لا يقبل التأجيل
التزام كامل من مصانع الأسمدة بتوريد الكميات المقررة فى مواعيدها
ورقابة يومية على التنفيذ
وإعلان شفاف للكميات المنتجة والمسلمة والموزعة
ثم إعادة تنظيم منظومة التوزيع داخل الجمعيات بما يحقق العدالة وتكافؤ الفرص بين جميع المزارعين
الفلاح لا يريد كلمات مواساة ولا بيانات إعلامية
يريد السماد عندما تحتاج إليه الأرض لا عندما يصبح وجوده بلا قيمة
فالسماد الذى يصل بعد الحصاد ليس دعما للإنتاج وإنما عنوان صارخ لفشل إدارى يدفع ثمنه الفلاح وحده بينما يظل المسئول الحقيقى بعيدا عن دائرة الحساب
السماد بعد الحصاد جريمة إدارية من يحاسب من أفسد الموسم


