بقلم/نشأت البسيوني

في ناس بتبص لذوي الهمم على إنهم مختلفين عننا وبتحط قدامهم ألف حاجز قبل ما تعرف هما يقدروا يعملوا إيه
وفي ناس بتشوف الكرسي المتحرك قبل ما تشوف الإنسان
وبتشوف طريقة الكلام قبل ما تسمع الحكاية
وبتشوف الإعاقة قبل ما تشوف الموهبة
وده يمكن يكون من أصعب الحواجز اللي ممكن يقابلها الإنسان في حياته
لأن أصعب حاجة مش إن الإنسان يكون عنده تحدي في جسمه أو حركته أو سمعه أو بصره
أصعب حاجة إنه يلاقي مجتمع شايف التحدي ده نهاية للحكاية
مع إن الحقيقة غير كده تماما
ذوي الهمم مش ناس محتاجة حد يعيش مكانها
ولا ناس محتاجة نظرة شفقة
ولا محتاجة حد يفضل يقول لها انتو أبطال لمجرد إنكم بتحاولوا تعيشوا
هم محتاجين فرصة حقيقية
محتاجين تعليم مناسب
محتاجين شغل يقدر إمكانياتهم
محتاجين شارع يعرف يمشوا فيه من غير ما يتحول الطريق لمعركة
محتاجين مواصلات تكون متاحة ليهم
محتاجين أماكن عامة تفتح أبوابها ليهم
محتاجين مجتمع يفهم إن الاختلاف مش نقص
وإن الإنسان مش بيتقاس بشكل جسمه ولا بطريقة حركته ولا بقدرته على الكلام
الإنسان بيتقاس بقلبه بعقله بأخلاقه بإصراره وبالأثر اللي بيتركه في حياة الناس
ولما نتكلم عن ذوي الهمم لازم نغير طريقة كلامنا عنهم
لأن بعض الكلمات اللي بنقولها بحسن نية ممكن تكون جارحة من غير ما نقصد
مش لازم نتعامل مع الشخص على إنه عاجز
ولا لازم نتصرف كأن حياته انتهت بسبب تحدي معين
بالعكس
في أوقات كتير بنكتشف إن الشخص اللي الناس شايفاه ضعيف هو أكتر واحد عنده قوة
والشخص اللي الناس فاكرة إنه محتاج مساعدة طول الوقت ممكن يكون هو اللي بيساعد غيره
والشخص اللي المجتمع فاكر إن الطريق مقفول قدامه ممكن يكون هو اللي بيشق طريق جديد لغيره
الحكاية كلها إننا محتاجين نبص للإنسان قبل ما نبص للتحدي
لأن ذوي الهمم عندهم أحلام زي أي إنسان
عندهم طموح
عندهم خوف
عندهم حب
عندهم رغبة في النجاح
وعندهم أحلام يمكن تكون أكبر من أحلام ناس كتير
واحد نفسه يبقى طبيب
وواحد نفسه يبقى مهندس
وواحدة نفسها تبقى مدرسة
وواحد نفسه يفتح مشروع
وواحدة نفسها تبقى فنانة
وواحد نفسه يشتغل في الصحافة
وغيره نفسه يبقى رياضي
وغيره نفسه يعيش حياة عادية من غير ما يفضل طول الوقت يشرح للناس إنه قادر
ودي نقطة مهمة جدا
إن الشخص من ذوي الهمم مش لازم يثبت كل يوم إنه قوي
ومش لازم يفضل يقدم امتحان للناس عشان ياخد حقه في الاحترام
الاحترام مش جائزة
والكرامة مش مكافأة
والفرصة مش صدقة
دي حقوق أساسية لكل إنسان
ولما المجتمع يوفر الفرصة المناسبة للشخص من ذوي الهمم مش بيعمل معاه معروف
هو بس بيفتح الباب لإنسان عنده قدرات ممكن تضيف للمجتمع
إحنا أوقات كتير بنقفل أبواب بسبب أفكار قديمة
نقول الشخص ده مش هيقدر
الشخص ده صعب يشتغل
الشخص ده محتاج رعاية
الشخص ده مش مناسب للمكان
وننسى نسأل السؤال الأهم
هو جربنا نديه فرصة حقيقية
جربنا نهيئ له المكان
جربنا نستخدم التكنولوجيا اللي ممكن تساعده
جربنا نسمع منه هو محتاج إيه
ولا حكمنا عليه قبل ما يبدأ
الفرق كبير بين إنك تساعد إنسان وبين إنك تتحكم في حياته
المساعدة الحقيقية إنك تسند الإنسان وقت ما يحتاج
لكن الأجمل إنك تسيبه يعتمد على نفسه وقت ما يكون قادر
لأن الاستقلال مش رفاهية
الاستقلال إحساس بالكرامة
وكل إنسان من حقه يحس إنه قادر يختار ويقرر ويحلم ويغلط ويتعلم وينجح زيه زي أي حد
وفي أسر كتير عندها ابن أو بنت من ذوي الهمم
والأسرة دي محتاجة دعم حقيقي مش مجرد كلام
محتاجة مدارس تستوعب
محتاجة خدمات متاحة
محتاجة متخصصين
محتاجة وعي
ومحتاجة مجتمع يساعدها بدل ما يحملها فوق طاقتها
وأحيانا الأم والأب بيكونوا في معركة يومية محدش شايف تفاصيلها
مش لأن ابنهم مشكلة
لكن لأن الظروف حواليهم ممكن تكون صعبة
الطريق مش مناسب
الخدمة مش متاحة
المعلومة ناقصة
المكان مش مجهز
والناس أحيانا بتبص بنظرات قاسية
علشان كده دعم الأسرة جزء أساسي من دعم ذوي الهمم
لأن لما الأسرة تكون قوية الشخص بيلاقي مساحة أكبر عشان يكبر ويجرب ويحقق نفسه
لكن لازم نفهم إن الأسرة نفسها مش المفروض تتحمل كل المسؤولية
المجتمع كله شريك
المدرسة شريك
مكان العمل شريك
الإعلام شريك
الشارع شريك
الأسرة شريك
وكل واحد فينا عنده دور
حتى الكلمة ممكن تكون دور
لما تشجع حد بدل ما تحبطه
لما تفتح له مكان بدل ما تمنعه
لما تحترم خصوصيته
لما متصوروش من غير إذنه
لما متعاملوش معاه كأنه مش موجود
لما تسمع له بدل ما تتكلم عنه
إنت كده بتعمل فرق حقيقي
والإعلام كمان عليه مسؤولية كبيرة
لأن الصورة اللي بنقدمها عن ذوي الهمم ممكن تغير نظرة مجتمع كامل
مش عايزين نقدمهم دائما على إنهم ضحايا
ولا عايزين نقدمهم دائما على إنهم أبطال خارقين
هم بشر
عندهم أيام قوية وأيام صعبة
عندهم نجاحات وعندهم إخفاقات
وعندهم مشاعر واحتياجات وطموحات
والتعامل الطبيعي هو أكتر حاجة ممكن تديهم احترام حقيقي
إحنا مش محتاجين نعمل عالم خاص بعيد عنهم
إحنا محتاجين نخلي العالم مناسب للجميع
المدرسة تكون متاحة
الجامعة تكون متاحة
الشغل يكون متاح
المواصلات تكون متاحة
المباني تكون متاحة
المعلومات تكون متاحة
والأهم إن العقول نفسها تكون متاحة لفكرة إن الاختلاف جزء طبيعي من الحياة
يمكن النهارده أنت شايف إن الموضوع بعيد عنك
لكن بكرة ممكن تكون أب أو أم لطفل محتاج دعم
أو ممكن يكون في بيتك شخص من ذوي الهمم
أو ممكن تكون أنت نفسك في يوم من الأيام محتاج مساعدة بسبب حادث أو مرض أو تقدم في العمر
وساعتها هتعرف إن سهولة الحياة مش شيء بسيط
هتعرف معنى إنك تدخل مكان من غير ما تسأل هل ينفع
وهتعرف معنى إنك تلاقي وسيلة مواصلات مناسبة
وهتعرف معنى إن الناس تتعامل معاك باحترام من غير نظرات شفقة
علشان كده إحنا مش بنطالب بحاجة تخص فئة معينة
إحنا بنتكلم عن مجتمع أكثر إنسانية
مجتمع يعرف إن القوة مش شكل واحد
وإن النجاح مش طريق واحد
وإن القدرة مش لازم تكون بالصورة اللي إحنا متعودين عليها
في شخص ممكن تكون قوته في عقله
وشخص قوته في إصراره
وشخص قوته في موهبته
وشخص قوته في قدرته على تجاوز ظروف صعبة
والأجمل إن الإنسان أحيانا يكتشف قوته لما الحياة تحطه قدام تحدي كبير
ذوي الهمم بيعلمونا من غير ما يقصدوا إن الإنسان ممكن يبدأ من مكان صعب ويوصل لمكان عظيم
بيعلمونا إن كلمة مش هقدر ممكن تتحول مع الوقت إلى أنا قدرت
وإن الباب المقفول مش معناه إن الرحلة انتهت
وإن الطريق الصعب ممكن يكون بداية لحكاية نجاح كبيرة
لكن لازم نكون صادقين مع نفسنا
مش كل شخص من ذوي الهمم محتاج يكون قصة نجاح ضخمة عشان نستحق احترامه
هو يستحق الاحترام لمجرد إنه إنسان
ودي أهم رسالة لازم توصل
مش لازم الشخص يجيب ميدالية
ولا يكسب بطولة
ولا يعمل إنجاز عالمي
عشان نقول له أنت تستحق
هو يستحق لأنه إنسان
يستحق التعليم لأنه إنسان
يستحق العمل لأنه إنسان
يستحق الحب لأنه إنسان
يستحق الاحترام لأنه إنسان
يستحق الحياة الكريمة لأنه إنسان
وفي النهاية لازم نفتكر إن المجتمع القوي مش هو المجتمع اللي كل أفراده شبه بعض
المجتمع القوي هو المجتمع اللي يعرف يحتوي الاختلاف
ويحول الاختلاف إلى قوة
ويفتح الأبواب بدل ما يقفلها
ويمد إيده بدل ما يكتفي بالكلام
ويشوف الإنسان قبل أي شيء
ذوي الهمم مش محتاجين شفقة
محتاجين فرصة
ومش محتاجين حد يمشي مكانهم
محتاجين طريق يتفتح قدامهم
ومش محتاجين حد يتكلم باسمهم طول الوقت
محتاجين صوتهم هو اللي يتسمع
ومش محتاجين نظرة مختلفة
محتاجين نظرة عادلة
لأن في النهاية الإنسان مش بيتحدد بما فقده
الإنسان بيتحدد بما يملكه من إرادة وبما يستطيع أن يصنعه من أثر
وربما يكون الشخص الذي ظنه البعض عاجزا هو نفسه الشخص الذي يملك من القوة ما يجعلنا نحن نعيد النظر في معنى القدرة
فبدل ما نسأل هو يقدر يعمل إيه
خلينا نسأل إحنا عملنا إيه عشان نساعده يحقق اللي يقدر عليه
وهنا يبدأ التغيير الحقيقي
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية
حكاية مجتمع لا يرى ذوي الهمم بعين الشفقة
بل يراهم بعين الاحترام
عين تؤمن إن لكل إنسان مكان
وإن لكل حلم فرصة
وإن لكل إنسان حقه في أن يعيش حياته بكرامة
مش محتاج شفقة محتاج فرصة

