بقلم محمد عطا القطيعي
إذا كانت الشدائد تصنع الرجال، فإن النعم تكشف معادنهم.
فالفقر قد يضع الإنسان أمام امتحان الصبر،
والغنى يضعه أمام امتحان أشد خفاءً: هل يستطيع أن يملك المال دون أن يملكه المال؟
في الشدة تعرف قوة الإنسان؛
حين تضيق به الدنيا، ثم تراه واقفًا، لا ينكسر، ولا يبيع كرامته، ولا يمد يده إلا إلى الله.
لكن في الرخاء… تبدأ معركة أخرى.
حين تتسع الأبواب، وتكثر القدرة، وتصبح الأشياء التي كان يحلم بها يومًا في متناول يده، هنا يظهر السؤال الحقيقي:
هل ستتغير يده أم سيبقى قلبه كما كان؟
هل سيزداد تواضعًا أم يزداد غرورًا؟
هل سيذكر من وقفوا بجانبه حين كان محتاجًا، أم سينسى الجميع بعدما استغنى؟
كم من رجلٍ خرج من رحم الفقر أصلب من الصخر،
ثم دخل قصر الرفاهية فذاب فيه!
وكم من إنسان علّمته الحاجة معنى الرحمة،
فلما امتلك القدرة نسي معنى الرحمة!
الفقر قد يؤلم الجسد، ويضيّق الحياة، ويختبر الصبر…
أما الغنى فقد يُغري النفس، ويُسكرها بالقدرة، ويمنحها وهم الاستغناء عن الآخرين.
ولهذا ربما كان أخطر ما في النعمة أنها لا تأتيك وهي تقول: احذر… أنا اختبار.
بل تأتيك جميلةً، سهلةً، محبوبةً…
حتى تنسى أنك تُختبر.
فالمال لا يكشف مقدار ما في جيبك،
بل يكشف مقدار ما في قلبك.
والسلطة لا تكشف قدرتك على إصدار الأوامر،
بل تكشف قدرتك على العدل حين تستطيع أن تظلم ولا يستطيع أحد أن يمنعك.
والغنى الحقيقي ليس أن تملك الكثير،
بل أن تملك الكثير ولا يفقدك الكثير نفسك.
قد ينجح رجل في اجتياز امتحان الفقر لأنه اضطر إلى الصبر،
لكنه يفشل في امتحان الغنى لأنه لم يتعلم كيف يشكر.
وقد تكسر الشدة إنسانًا،
لكن النعمة قد تفسده إن لم يكن له من الوعي ما يحرس قلبه.
لذلك لا تسأل عن معدن الرجل حين ترى يديه فارغتين فقط…
انظر إليه حين تمتلئ يداه.
فحين لا يملك شيئًا، قد يكون كريمًا لأنه لا يملك ما يبخل به؛
أما حين يملك كل شيء، ثم يعطي… فهنا تظهر حقيقة الكرم.
وحين يكون ضعيفًا، قد يكون عادلًا لأنه لا يستطيع الظلم؛
أما حين يصبح قويًا، ثم يعدل… فهنا تعرف معنى العدل.
وحين يكون محتاجًا، قد يتواضع لأنه مضطر؛
أما حين يستغني، ثم يبقى متواضعًا… فهنا تعرف قيمة الإنسان.
وهنا يبقى السؤال الذي لا يجيب عنه المال ولا الفقر، وإنما يكشفه الزمن:
أيهما أشد على الرجل؟
أن يُختبر حين لا يملك شيئًا… أم أن يُختبر حين يملك كل شيء؟
فالفقر يسأل الإنسان: كيف تصبر؟
والغنى يسأله: كيف تشكر؟
والشدّة تسأله: هل تصمد؟
والنعمة تسأله: هل تبقى أنت؟
وربما كان أصعب الامتحانين ليس أن تفقد ما تملك…
بل أن تملك ما كنت تفتقده يومًا، ثم تنسى الإنسان الذي كنتَه قبل أن تملكه.
————-القطيعى الشريف————-
حين تُختبر الرجال… بالفقر والغنى

