الرئيسيةاخبارالحرب العالمية الثالثة… هل يقترب العالم من الهاوية، أم أن الخوف يسبق الحقيقة؟
اخبارمقالات

الحرب العالمية الثالثة… هل يقترب العالم من الهاوية، أم أن الخوف يسبق الحقيقة؟

الحرب العالمية الثالثة... هل يقترب العالم من الهاوية، أم أن الخوف يسبق الحقيقة؟

الحرب العالمية الثالثة… هل يقترب العالم من الهاوية، أم أن الخوف يسبق الحقيقة؟

بقلم محمد عطا القطيعي

لم يعد الحديث عن «الحرب العالمية الثالثة» مجرد عنوان مثير تتناقله مواقع التواصل الاجتماعي، ولا مجرد شائعة عابرة تُولد في فضاء الخوف ثم تموت سريعًا؛ فقد أصبح المصطلح نفسه حاضرًا بقوة في الخطاب السياسي والإعلامي العالمي، في وقت يعيش فيه العالم واحدة من أكثر مراحله اضطرابًا منذ نهاية الحرب الباردة.
لكن هنا يجب أن نتوقف قليلًا…
هل العالم بالفعل على أعتاب حرب عالمية ثالثة؟ أم أننا نعيش زمنًا شديد الخطورة، لكنه لم يصل بعد إلى نقطة الحرب الشاملة؟
هذا هو السؤال الذي يستحق أن نناقشه بعقل بارد، لا بقلب مذعور.
فالعالم اليوم لا يواجه حربًا واحدة، وإنما مجموعة من بؤر التوتر التي يمكن أن تتقاطع مصالح أطرافها الكبرى.
هناك الحرب الروسية الأوكرانية، وهناك التوترات والحروب في الشرق الأوسط، وهناك الملف الإيراني، وهناك التنافس الأمريكي الصيني حول تايوان، فضلًا عن كوريا الشمالية وبرنامجها النووي، إضافة إلى احتمالات الاحتكاك بين روسيا ودول حلف الناتو.
وقد صنف تقييم حديث للمخاطر الدولية عدة سيناريوهات باعتبارها ذات تأثير مرتفع، ومنها احتمال تصعيد الحرب الروسية الأوكرانية، وأزمة خطيرة حول تايوان، واندلاع مواجهة بين روسيا ودولة من دول الناتو، وتجدد التصعيد النووي في شبه الجزيرة الكورية.
لكن…
وجود بؤر كثيرة للاشتعال لا يعني بالضرورة اندلاع حرب عالمية.
وهنا تكمن المسألة.
فالحرب العالمية ليست مجرد أن تشتعل عدة حروب في أماكن مختلفة، وإنما أن تدخل القوى الكبرى بصورة مباشرة في مواجهة واسعة، بحيث يصبح الصراع ممتدًا عبر مناطق متعددة، وتتداخل فيه التحالفات العسكرية والاقتصادية والاستراتيجية.
والخطر الأكبر اليوم ليس أن يقرر العالم فجأة أن يبدأ «الحرب العالمية الثالثة»؛ وإنما أن يبدأ صراع محدود، ثم يحدث خطأ في الحسابات، أو سوء تقدير، أو رد عسكري أكبر من المتوقع، فتتوالى الردود، ويجد العالم نفسه أمام سلسلة من التصعيد يصعب إيقافها.
وهنا تظهر الكلمة الأخطر:
الانزلاق.
فالتاريخ لا يخبرنا دائمًا أن الحروب الكبرى بدأت بقرار واضح من الجميع.
أحيانًا تبدأ الحروب من حادثة، أو اغتيال، أو سوء تقدير، أو تحالف يُفهم بصورة خاطئة، ثم تتسع الدائرة شيئًا فشيئًا.
ولهذا فإن العالم النووي أكثر خوفًا من العالم القديم.
في الحروب السابقة، كان يمكن أن تكون المعركة كارثية، لكنها تظل في النهاية محدودة بقدرات عصرها.
أما اليوم، فإن دخول القوى النووية في مواجهة مباشرة يضع البشرية أمام احتمال لا يشبه أي حرب عرفها التاريخ.
ولهذا فإن امتلاك السلاح النووي لا يجعل الحرب العالمية مستحيلة، لكنه يجعل الجميع أكثر خوفًا من نتائجها.
والمفارقة أن القوة العسكرية الهائلة قد تكون في الوقت نفسه سببًا للحرب وسببًا لمنعها.
فالدول الكبرى تعرف أن المواجهة المباشرة قد لا يكون فيها منتصر حقيقي.
ولهذا تبقى الحسابات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية حاضرة حتى في أشد الأزمات.
لكن الخطر لا يختفي.
بل يتغير شكله.
فالحرب الحديثة ليست بالضرورة دبابات تعبر الحدود وطائرات تقصف المدن فقط.
قد تبدأ بهجوم سيبراني، أو حصار اقتصادي، أو تعطيل الملاحة، أو حرب معلومات، أو استهداف للبنية التحتية، أو استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى، ثم تنتقل إلى مستويات أخرى.
وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا:
هل نحن أمام حرب عالمية ثالثة إذا لم نشهد جيوشًا عالمية تتحرك في وقت واحد؟
ربما تكون الحرب العالمية القادمة ـ إن وقعت ـ مختلفة تمامًا عن الصورة التي حفظناها من كتب التاريخ.
قد تكون حربًا متعددة الجبهات، متعددة الأدوات، لا تعرف فيها الشعوب أحيانًا أين تبدأ المعركة وأين تنتهي.
لكن رغم كل هذه المخاطر، يجب ألا نقع في فخ الشائعات.
فكل خبر يقول: «الحرب العالمية الثالثة غدًا» لا يعني أن العالم اتخذ بالفعل قرار الحرب.
وكل تحرك عسكري لا يعني أن الحرب الشاملة أصبحت حتمية.
وكل تصريح غاضب من زعيم سياسي لا يعني أن الصواريخ ستنطلق في اليوم التالي.
العاقل لا ينكر الخطر، لكنه لا يحوّل الاحتمال إلى حقيقة.
وهذه ربما هي أهم رسالة يجب أن تصل إلى القارئ.
نحن نعيش في عالم أكثر توترًا، نعم.
ونحن أمام صراعات خطيرة، نعم.
وهناك بالفعل مخاطر حقيقية يمكن أن تؤدي إلى تصعيد بين القوى الكبرى، نعم.
لكن القول إن «الحرب العالمية الثالثة قد بدأت» يحتاج إلى أدلة أكبر بكثير من مقطع فيديو، أو منشور مجهول المصدر، أو عنوان مثير على وسائل التواصل الاجتماعي.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله الشائعات أنها تجعل الإنسان يعيش الحرب قبل أن تقع.
تسرق منه أمنه النفسي، وتجعله يرى المستقبل من خلال الخوف، وتحول كل خبر إلى نذير كارثة.
ولذلك فإن الوعي الحقيقي ليس أن تقول:
«الحرب قادمة لا محالة.»
ولا أن تقول:
«لا توجد أي مخاطر.»
وإنما أن تقول:
«الخطر موجود… لكن المستقبل لم يُكتب بعد.»
فبين الحرب والسلام مساحة واسعة اسمها:
الدبلوماسية.
وبين الصدام والانفراج لحظة اسمها:
الحكمة.
وبين القرار الكارثي والقرار العقلاني أحيانًا هاتف واحد، أو اجتماع واحد، أو كلمة واحدة يقولها رجل مسؤول في الوقت المناسب.
إن البشرية التي اخترعت القنبلة النووية قادرة أيضًا على اختراع طريق للخروج من الكارثة.
والعالم الذي يستطيع أن يهدد بعضه بعضًا يستطيع ـ إذا أراد ـ أن يجلس إلى طاولة واحدة.
لهذا، فإن السؤال الأهم ليس:
«متى تبدأ الحرب العالمية الثالثة؟»
بل:
«ماذا يفعل العالم الآن حتى لا تبدأ؟»
فالحرب العالمية الثالثة، إن اندلعت، لن تكون مأساة دولة واحدة، ولا قارة واحدة، ولا جيش واحد.
ستكون مأساة الإنسان نفسه.
ولهذا فإن الوعي ليس في انتظار صوت المدافع…
بل في أن نفهم إشارات الخطر قبل أن تتحول إلى نار.
العالم ليس على حافة الهاوية بالضرورة، لكنه يقف في منطقة لا تحتمل الغفلة.
وفي زمن كهذا، تصبح اليقظة مسؤولية، والعقل ضرورة، والحقيقة أهم من الشائعة، والسلام ليس ضعفًا…
بل ربما يكون أعظم انتصار تستطيع البشرية أن تحققه.

الحرب العالمية الثالثة… هل يقترب العالم من الهاوية، أم أن الخوف يسبق الحقيقة؟
————القطيعى الشريف————-

الحرب العالمية الثالثة... هل يقترب العالم من الهاوية، أم أن الخوف يسبق الحقيقة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *