الطب البيطري بين التكليف الديني والمسؤولية الإنسانية والعلم
*بقلم دكتوره /جمالات عبدالرحيم *

عندما نسمع كلمة “الطب البيطري” يتبادر إلى الذهن فوراً عيادة للقطط والكلاب. لكن الحقيقة أعمق وأخطر بكثير.
الطب البيطري ليس مجرد مهنة، بل هو *تكليف ديني، وأمانة إنسانية، وعلم يربط مصير الإنسان بالحيوان والبيئة* في مفهوم عالمي يسمى *One Health*.
فهل نعطيه حقه؟ أم اختزلناه في الربح المادي فقط؟
—
*أولاً: التكليف الديني.. رحمة أمر بها الله*
منذ 1400 سنة أمرنا الله بالرفق والعدل مع الحيوان ونهانا عن الظلم. والعلم الحديث اليوم يؤكد ما جاء به الدين.
ذكر الله تعالى الحيوانات والطيور في القرآن في مواضع كثيرة لنعرف قيمتها:
*”وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم”* [الأنعام: 38]
أي أن لهم أمماً مثل البشر، لهم حياة ورزق ونظام.
وقال تعالى: *”والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون”* [النحل: 5]
فهي نعمة يجب المحافظة عليها.
وفي قصص الأنبياء:
سيدنا *سليمان* الذي علّمه الله منطق الطير، وقصة *الهدهد وملكة سبأ*.
وسيدنا *صالح* والناقة التي كانت آية.
ورسول الله *محمد ﷺ* الذي قال: “في كل كبد رطبة أجر”، ونهى عن تعذيب الحيوان. وحكى عن امرأة دخلت النار في هرة حبستها، وعن رجل دخل الجنة لأنه سقى كلباً.
فالطبيب البيطري في الأساس هو *خليفة في الأرض* يقوم بدور الرحمة بشكل علمي.
—
*ثانياً: المسؤولية العلمية.. حلقة One Health*
الطب البيطري هو الحلقة التي تربط بين *صحة البيئة + صحة الحيوان + صحة الإنسان*.
1. *الأمن الغذائي*: هو المسؤول عن فحص اللحوم والألبان والبيض والتأكد من سلامتها قبل أن تصل لبيوتنا.
2. *مكافحة الأوبئة*: 60% من الأمراض المعدية التي تصيب الإنسان مصدرها حيواني. مثل السعار والبروسيلا وانفلونزا الطيور.
3. *الثروة الحيوانية والسمكية*: حمايتها من الأمراض يعني حماية اقتصاد دولة كاملة.
لذلك لا يقتصر الطب البيطري على مجال واحد. يشمل الدواجن، الأسماك، الحياة البرية، الأبحاث، الأدوية، وسلامة الغذاء.
—
*ثالثاً: المسؤولية البيئية.. من الزبالة إلى العلف*
للطبيب البيطري دور كبير ومهم في ملف البيئة وإعادة التدوير:
1. *مخلفات المجازر والمزارع*: الدم والأحشاء والعظام والجلد. إذا رُميت في القمامة تسببت في أمراض وروائح وبكتيريا.
دور البيطري تجميعها الآمن وتحويلها بعد التعقيم إلى *علف أو سماد عضوي أو دقيق عظام*.
2. *إعادة تدوير بواقي الطعام*: مصانع تعيد تصنيع بواقي المطاعم والفنادق إلى علف. وهنا يجب أن يفحصه البيطري ويتأكد من خلوه من السموم والبكتيريا والبلاستيك.
فالعلف الملوث = حيوان مريض = إنسان يأكل لحماً مريضاً.
3. *النفايات الطبية*: التخلص الآمن من السرنجات والشاش والأدوية منتهية الصلاحية وجث الحيوانات النافقة في محارق خاصة لمنع تلوث المياه والتربة.
4. *القمامة المكشوفة*: هي مصنع للأوبئة. تأكل منها الكلاب والقطط وطيور الشوارع فتصاب بالسعال والديدان والتسمم.
وهنا يجب أن يكون للبيطري دور مع البلدية في حملات التطعيم والتوعية ورفع القمامة.
—
*رابعاً: الأزمة.. بين البطالة والجشع*
المفارقة أننا نجد آلاف الخريجين من كليات الطب البيطري بلا عمل أو مصدر رزق.
فيلجأ الكثيرون للعمل فقط في عيادات الحيوانات الأليفة بالمناطق الراقية بحثاً عن المكسب السريع، حتى لو لم تتوفر الأجهزة أو حتى الضمير المهني.
بينما تُهمل تربية المواشي في القرى، فيضطر الفلاح للبيع أو الإهمال. فنعود لاستيراد اللحوم من الخارج، نخسر العملة المحلية، وترتفع الأسعار على المواطن.
أين دور وزارة الصحة والزراعة والبيئة في تشغيل هؤلاء الخريجين في حملات قومية، في المزارع، في المجازر وفي المناطق الخاصه بالزراعة وفي مراقبة الأسواق واين الحملات التي تقوم لتطعيم الحيوانات الاليفه في الشوارع محانا لوجه الله دون أي مقابل مادي .
فا الدوله المتقدمه فهمت ذلك فوفرت دعماً وتأميناً ووحدات بيطرية متنقلة.
*الخاتمة*
الطب البيطري *رسالة إنسانية قبل أن تكون تجارية*.
من ينظر إليه من زاوية المال واستغلال النفوذ فقط، فقد خسر المعنى الحقيقي لهذه المهنة النبيلة.
حماية الحيوان هي حماية للإنسان.
وحماية البيئة هي حماية للمستقبل.
*”ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء”*
الطب البيطري بين التكليف الديني والمسؤولية الإنسانية والعلم

