كريم المثوبة والرضوان
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله رب العالمين الأول والأخر والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد، أين القلوب الممتلئة بخوف الله وخشيته؟ أين القلوب التي ذلت لعزت الجبروت وخشعت لصاحب الملكوت؟ ولقد أصبحنا نسمع بالمعصية، وقل مَن ينكرها ويؤكل الحرام وكأنه حلال، فأصبح الإنسان المسلم يجالس صاحب المعصية ويؤاكل ويشارب مرتكب الكبيرة دون إنكار، فإن الخوف هو يوم أجدبت قلوب بعضنا منه واسودت، وأظلمت وقست وتحجرت، فهي كالحجارة أو أشد قسوة فلم تعد تهزها الموعظة أو تنفعها الذكرى إلا من رحم الله من عبادة.
فالخوف من الله هو الوسيلة الأكيدة لإتعاظ الراقدين وتنبيه الغافلين، واستخدمها الرسل أجمعون والدعاة الصادقون، ففتح الله على أيديهم قلوبا غلفا وأعينا عميا وآذانا صُمّا، فالخوف من الله هو الذي منع ابن آدم أن يقتل أخاه، والله جل وعلا أمرنا بخوفه ومدح الخائفين في كتابه، فقال سبحانه وتعالي في سورة آل عمران ” إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين وقال ابن سعدي رحمه الله في تفسيره في هذه الآية وجوب الخوف من الله وحده، وأنه من لوازم الإيمان، فعلى قدر إيمان العبد يكون خوفه من الله، وروى الإمام أحمد والترمذي رحمهما الله عن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت قلت يا رسول الله، قول الله تعالى ” والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلي ربهم راجعون”
أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق وهو يخاف الله تعالى؟ قال صلي الله عليه وسلم ” لا يا بنة الصديق، ولكنه الذي يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف ألا يتقبل الله منه” وعن أبي ذر رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” إني أرى ما لا ترون، أطت السماء وحُق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله تعالى، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله ” رواه أحمد والترمذي، وإن المؤمن المشهود له بالخير يستريح بالموت من عناء الدنيا وتعبها إلى الجنة وما أعد الله تبارك وتعالى له فيها من كريم المثوبة والرضوان، فإنما يستريح من غفر له وتقبل عمله.
وأما الفاجر فإنه إذا مات يفضي إلى السخط والعذاب، ويستريح منه العباد والشجر والدواب فاعتبروا يا أولي الألباب، واستعدوا ليوم الحساب ولا تغفلوا فإنه ليس بمغفول عنكم ولا بد لكم من الإياب فقال تعالى ” إن إلينا إيابهم، ثم إن علينا حسابهم ” فهذه أسواق الدنيا وما أدارك ما أسواق الدنيا الشيطان يرفع رايته وينصبها فيها انتصارا وإعلانا منه على أنه لم يخسر معركة الأسواق ففيها تجد الكذب، والغش والاختلاط، والسرقة، إلا من رحم ربك راجت فيها بضاعته، وذلك يدل على كراهة دخول الأسواق، ومحل هذه الكراهة لمن لم يكن له حاجة في السوق من بيع وشراء أو حسبة أو زيارة ونحو ذلك من المقاصد، ولقد كانت الرسل الكرام يبتغون من فضل الله فيها بالتجارة والشراء ونحو ذلك، وكان الصحابة يتاجرون ويحترفون في الأسواق، وكان ابن عمر وأبو هريرة يدخلان إلى السوق أيام العشر يكبران، ويكبر الناس بتكبيرهما.
كريم المثوبة والرضوان


