الرئيسية » بين أرقام البطالة
Uncategorized

بين أرقام البطالة

بين أرقام البطالة

بين أرقام البطالة ووهم الاستقرار: عندما يتحول التوظيف إلى إعادة تدوير للهشاشة

بقلم: شريف السبع
باحث في الشؤون العمالية

شهدت الآونة الأخيرة تصريحات رسمية صادرة عن وزارة العمل تؤكد انخفاض معدل البطالة في مصر من نحو 13% عام 2014 إلى 5.8%، مستندة في ذلك إلى نتائج مسح القوى العاملة الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. ورغم أن هذا التراجع يبدو للوهلة الأولى مؤشرًا إيجابيًا، إلا أن القراءة المتعمقة لواقع سوق العمل والمحددات المنهجية التي تُبنى عليها هذه الأرقام تكشف عن فجوة عميقة بين “الانشغال الإحصائي” وبين “الاستقرار الوظيفي والعمل اللائق”.
​أولًا: لعبة الأرقام وقاعدة “الساعة الواحدة”
​يستند انخفاض معدل البطالة رسميًا إلى المعايير المعتمدة من منظمة العمل الدولية، والتي تُعرّف “المشتغل” بأنه كل من مارس أي عمل—ولو لساعة واحدة فقط—خلال أسبوع المسح الإحصائي، أو عمل في مشروع عائلي دون أجر مباشر.
​هذا التعريف الصارم يعني أن انتقال الشاب من التعطل الكامل إلى العمل المتقطع (كعامل مياومة، أو في خدمات التوصيل، أو البيع المتجول) يخرجه فورًا من خانة “المتعطلين” ويُدرجه إحصائيًا ضمن “المشتغلين”. بناءً على ذلك، فإن ما حدث في الواقع ليس القضاء على البطالة، بل إزاحتها وتحويلها إلى عمالة غير منتظمة وهامشية تُمارَس تحت ضغط الضغوط الاقتصادية اليومية للبقاء على قيد الحياة.
​ثانياً: ملتقيات التوظيف وفخ “التدوير المستمر”
​تتخذ السياسات الرسمية من “نشرات التوظيف الشهرية” و”الملتقيات التوظيفية” واجهة أسبوعية للترويج لآلاف فرص العمل المتاحة في القطاع الخاص. غير أن الممارسة الميدانية تكشف أن جزءًا كبيرًا من هذه الفعاليات لا يعدو كونه آلية لإغراق السوق بفرص مؤقتة تدور في حلقة مفرغة، وذلك عبر آليتين رئيسيتين:
​الاستغلال القانوني لفترة الاختبار:
ينص قانون العمل على حق المنشأة في إخضاع العامل لفترة اختبار تمتد لثلاثة أشهر، يحق لها خلالها إنهاء التعاقد دون تبعات قانونية. تلجأ بعض شركات القطاع الخاص إلى استغلال هذا النص لتقليل تكاليف التشغيل، حيث يتم التخلص من العمالة قبل انتهاء المهلة واستبدالها بدماء جديدة من الملتقيات القادمة، مما يضمن للمنشأة عمالة رخيصة ومؤقتة تتجدد باستمرار دون التزامات تأمينية أو زيادة في الأجور.
​التصفية وإعادة التدوير:
تُستخدم ملتقيات التوظيف في كثير من الأحيان كواجهة لاستيفاء متطلبات إدارية أو إعلامية، في حين تظل العمالة المباشرة سريعة الانضمام هي خط الدفاع الأول الذي تتم تصفيته عند حدوث أي انكماش أو ارتفاع في تكاليف الإنتاج. كما تُجبر بعض الجهات العمال عند استلام العمل على توقيع استقالات مسبقة (نموذج 11)، مما يُفرغ التعاقد من مضمونه ويجعل الاستغناء عنهم أمرًا يسيرًا.
​ثالثاً: المفهوم الغائب.. من امتصاص البطالة إلى “العمل اللائق”
​إن الاكتفاء بظاهر الأرقام والتوسع في طرح الفرص المؤقتة يكرس ظاهرة “الفقير العامل”؛ وهو العامل الذي يمارس جهدًا شاقًا بشكل يومي دون أن يحصل على أجر عادل يحميه من التضخم، ودون تغطية صحية أو تأمينية تقيه وأسرته غوائل الزمن.
​فالواقع الميداني يثبت أن تراجع البطالة إلى 5.8% لا يعني أكثر من انخفاض نسبة من لا يعملون إطلاقًا ويستوفون شروط البحث الصارم، بينما تقابل أرقام الوظائف المعلنة بالملتقيات معدلات مرتفعة في الدوران الوظيفي والتسرب خلال أول تسعين يومًا. وفي الوقت الذي تتحدث فيه البيانات عن دمج الشباب في سوق العمل، تتسع على الأرض رقعة العمالة غير المنتظمة وتفتقر الوظائف المتاحة لأدنى درجات الأمان التأميني والاستقرار.
​خاتمة: نحو سياسات تشغيل حقيقية
​إن الرهان الحقيقي للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لا يكمن في إغراق السوق بفرص تشغيل مسكّنة أو الاستناد إلى مؤشرات كمية مجردة، بل يتطلب تحولاً جذرياً في فلسفة إدارة ملف العمل:
​تفعيل التفتيش الصارم: رقابة دورية على المنشآت لمنع التعسف في فترة الاختبار ومحاربة ظاهرة الاستقالات المسبقة.
​تتبع الاستدامة: بناء نظام متابعة بعدي لقياس نسبة استمرار العمالة المترشحة عبر ملتقيات الوزارة بعد انقضاء ستة أشهر على الأقل.
​توسيع مظلة الحماية: إلزام المنشآت بتوفير بيئة عمل لائقة، وعقود عمل معتمدة، وتغطية تأمينية وصحية شاملة، تضمن كرامة العامل واستقراره المعيشي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *