الرئيسية » القطن في ذاكرة الناس.. حكايات من الحقول والبيوت
Uncategorized

القطن في ذاكرة الناس.. حكايات من الحقول والبيوت

القطن في ذاكرة الناس.. حكايات من الحقول والبيوت

كتبت: ساهرة رشيد/العراق

في السابع من تشرين الأول من كل عام، يحضر القطن في اليوم العالمي للقطن، مناسبة تفتح الحديث عن محصول ارتبط بحياة ملايين الناس، ولم يكن بالنسبة إلى مجتمعات زراعية مجرد نبات يدخل في صناعة النسيج، بل موسما للعمل والرزق والانتظار.

وفي العراق، مثلما في بلدان زراعية أخرى، تحمل مواسم الأرض حكايات لا تظهر في سجلات الإنتاج. حكايات عاشها الناس وربطوا بها حاجاتهم وأحلامهم، حتى أصبح موعد الحصاد في بعض البيوت موعدا ينتظرونه كما ينتظرون فرجا مؤجلا.

تروي امرأة مسنة في العقد السبعين من عمرها من ذاكرة الريف أن المواسم كانت تختلف باختلاف ما تنتجه الأرض؛ فهذا موسم للحنطة والشعير والتمر، وذاك للقطن، وآخر للحمضيات. وكان الشاب الذي يريد الزواج قد ينتظر الموسم الذي يأتي منه رزقه ليبدأ خطواته، فيما تنتظر الأسرة التي تعيش على الدين والاستقراض موعد الحصاد لتسدد ما عليها.

ليست الحكاية عن محصول بعينه بقدر ما هي عن علاقة الناس بالأرض. فما ينضج في الحقل كان قادرا على أن يغير شيئا في البيت؛ زواجا مؤجلا يمكن أن يتم، أو دينا آن أوان سداده، أو حاجة ظلت الأسرة تؤجلها حتى يأتي الموسم.

وهكذا كان الموسم جزءا من إيقاع الحياة، تتعلق به الأسرة كما تتعلق بالأرض نفسها.

(حين يتحول الحصاد إلى ذاكرة)

ومن بين تلك المواسم، كان للقطن حضور خاص.

حين تتفتح لوزاته وتظهر كراته المتفتحة بخصلاتها البيضاء بين النباتات، يبدأ الاستعداد للجني، وتتحول الحقول إلى مساحة واسعة من العمل. أيد كثيرة تتحرك بين الصفوف، والنساء والرجال ينشغلون بجمع المحصول، فيما ينتظر الجميع ثمرة أشهر من التعب.

ولم يكن الحصاد مجرد نهاية لموسم زراعي، بل مناسبة تجتمع فيها جهود الناس. فالأرض التي تحتاج إلى يد واحدة في زراعتها قد تحتاج إلى أيد كثيرة حين يحين موعد الجني، ولذلك بقيت بعض صور الحصاد في الذاكرة مرتبطة بالعمل الجماعي والتعاون وتبادل المساعدة.

هذه التفاصيل اليومية هي التي تمنح الموسم قيمته في الذاكرة؛ طريقة العمل، أصوات الناس، الأحاديث التي ترافق ساعات الجني، والانتظار الذي يسبق بيع المحصول ومعرفة ما سيأتي به إلى البيوت.

وهنا تبدأ حكاية أخرى للقطن، حكاية لا تحفظها الأرقام وحدها، وإنما تحفظها ذاكرة من عاشوا تلك المواسم.

(ذاكرة عراقية تنتظر من يرويها)

عرفت زراعة القطن مناطق متعددة من العراق، وارتبط اسم الحويجة والموصل على نحو خاص بتاريخ زراعته، كما عرفت مناطق أخرى زراعته وربطته بالمحالج وصناعة الغزل والنسيج.

لكن خلف هذه المعلومات الزراعية تاريخا اجتماعيا ما زال بحاجة إلى أن يستعاد من أصحابه.

كيف كان شكل موسم القطن؟ كيف كانت تتم عملية الجني؟ من كان يعمل في الحقول؟ وما الذي كانت تعنيه عائدات المحصول للعائلة؟

أسئلة تبدو بسيطة، لكنها قد تقود إلى ذاكرة واسعة عن حياة الريف العراقي؛ عن النساء اللواتي شاركن في العمل، وعن الرجال الذين انتظروا الموسم، وعن الأسر التي ربطت حاجاتها بموعد الحصاد، وعن علاقات التعاون التي كانت تنشأ بين أبناء المكان في مواسم العمل.

ومن هنا تصبح رواية كبار السن مصدرا مهما لفهم جوانب من الحياة لا تظهر دائما في الوثائق. فذاكرة امرأة عاشت مواسم القطن قد تحفظ تفاصيل لا نجدها في كتاب: كيف كانت الحقول، ماذا كانوا يأكلون في أيام الجني، كيف يتوزع العمل، وما الذي كان الناس يحلمون به بعد بيع المحصول.

إنها تفاصيل صغيرة في ظاهرها، لكنها ترسم صورة مجتمع كامل.

(حين خرج القطن من الحقول إلى الفن)

وإذا كانت بعض تفاصيل الذاكرة العراقية ما زالت تنتظر من يوثق أصوات أصحابها، فإن الذاكرة المصرية تقدم نموذجا واضحا على ما يحدث حين تنتقل مواسم الزراعة من الحقول إلى الفن.

ففي مصر، لم يبق القطن بعيدا عن الأغنية. ففي فيلم «عايدة» عام 1942، غنت أم كلثوم انشودة القطن «القطن فتح »، من كلمات أحمد رامي وألحان زكريا أحمد، لتصبح صورة الموسم جزءا من الذاكرة الفنية.

كما ارتبطت أغنية «نورت يا قطن النيل»، التي كتب كلماتها حسين حلمي المانسترلي ولحنها وغناها محمد صادق، بموسم جني القطن، وترددت في الحقول واستحضرت أجواء العمل والرزق والفرح.

ولم تكن هذه الأغاني بعيدة عن واقع الناس؛ فموسم القطن كان بالنسبة إلى كثير من الأسر موعدا تنتظره لتحقيق حاجات مؤجلة، من الزواج وتجهيز الأبناء إلى سداد الديون، ولذلك وجد طريقه بسهولة إلى الوجدان الشعبي.

ثم جاءت السينما لتحفظ جانبا آخر من تلك العلاقة.

في فيلم «الأرض» ليوسف شاهين، الذي عرض عام 1970، تظهر الأرض بوصفها مركز حياة القرية، ويتداخل فيها الماء والزراعة والعمل ومصير الفلاحين. ويحضر القطن في أحداث الفيلم بوصفه محصولا يرتبط برزق الناس، فيما تتحول عملية جمعه إلى جهد تتشارك فيه أيدي أهل القرية.

وفي هذه الصورة لا يعود الحصاد مجرد عمل في الحقل، بل يصبح مشهدا عن الجماعة؛ حين تتضافر الجهود، ويتقاسم الناس التعب والانتظار والخوف على محصول يمثل ثمرة عملهم.

وهكذا حفظت الأغنية صوت موسم القطن، وحفظت السينما صورته، بينما بقيت التفاصيل اليومية الأعمق في ذاكرة من عاشوه.

الحكاية التي لا ينبغي أن تضيع

هذه التفاصيل تقودنا إلى معنى أوسع للتراث.

فالتراث غير المادي ليس فقط ما نراه في الملابس والأدوات والمهن والأغاني، بل يشمل أيضا المعارف والممارسات والعادات والحكايات التي تنتقل من جيل إلى آخر.

وحكاية امرأة مسنة تتذكر أن الشاب كان ينتظر موسم القطن أو التمر أو الحمضيات ليتمكن من الزواج، وأن الأسرة كانت تنتظر الحصاد لتسدد ديونها، ليست حكاية شخصية عابرة. إنها جزء من ذاكرة اجتماعية تكشف كيف كانت مواسم الأرض تدخل في ترتيب حياة الناس وأولوياتهم.

ومن هنا تأتي أهمية جمع الروايات الشفوية المتعلقة بالمواسم الزراعية في العراق وتوثيقها؛ فقبل أن تختفي الأصوات التي عاشت تلك الأيام، يمكن أن نجد فيها أسماء الأماكن، وطرق العمل، وأدوار النساء والرجال، والأغاني والأمثال والعادات، والأهم من ذلك كله: معنى الموسم في حياة الناس.

فالتاريخ لا يسكن دائما في الوثائق الكبيرة. أحيانا تختبئ حكايته في ذاكرة امرأة، أو في حديث مزارع، أو في جملة بسيطة يتناقلها أبناء المكان عن موسم مضى.

وفي اليوم العالمي للقطن، ربما تكون أجمل طريقة لاستعادة هذا المحصول هي أن نراه كما رآه الناس: ليس مادة خاما فقط، بل أرضا وعملا ورزقا وانتظارا وذاكرة.

من الرافدين إلى النيل، ترك القطن خيطا أبيض امتد من الحقول إلى البيوت، ومن البيوت إلى الأغنية والصورة، وبقيت وراءه حكايات تستحق أن تسمع قبل أن يغيب أصحابها.

فالموسم كان محصولا في الأرض، لكنه كان فرجا في البيوت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *