مقالات

أيوب

أيوب

أيوب

بقلم الأديب د. طارق رضوان جمعة 

 

كاملات العقل والدين: من يتقن الصبر يمكنه أن يتقن أى شىء أخر. وإن كان نبى الله أيوب قد فُرِض عليه البلاء وكان لزامًا عليه الصبر والاحتمال فماذا عن زوجتة ” رحمة” التى أختارت الصبر برغبتها ؟ فهناك من يدعى أن الله عز وجل لم يهتم بإظهار دور النساء مثل زوجة أيوب والسيدة خديجة وحواء. ويقولون أن الله مجد أنبيائه

 وعظم شأن آدم . وما كان الله نسيًا ولكنهم نسوا قول الله تعالى عز وجل: ( من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ، ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) .   

الافتراءات في قصة أيوب غالبًا ما تأتي من “الإسرائيليات” ، وتتضمن ادعاءات مثل غضبه الشديد، أو ارتكابه أخطاء جسيمة كمنع الطعام عن المحتاجين. 

إن كان الظلم شيمة بعض البشر فكيف لعاقل أن يصدق أن نبى ظالم وهل سمعت عن نبى ضرب زوجته؟! وكيف لعاقل أن يقتنع أن الله عز وجل يرضى الظلم للأنثى ويتجاهلها؟!

يقولون أن الله عاقب حواء لأنها أخرجت آدم من الجنة، فجعلها تحيض كل شهر، بالإضافة لألم الولادة. يقولون أن أيوب توعد زوجته بأن يضربها حين يشفيه الله. يقولون أن الله فضل آدم على حواء، فحين أنزله إلى الأرض أعطاه بخورًا من رائحة الجنة وأعطاه حجر من الجنة كعبة يعبدها وجعل من أدم نبيًا مكرمًا، ويتسألون أين دور حواء ولما تجاهلت الأديان دور الأنثى. هل هن ناقصات عقل ودين وحظ؟

وبالرجوع لما أورده الطبرى فى تفاسيره تجد من الواضح للجميع أن بين أيوب وزوجته رابطة حب عميقة وإلا لما احتملت برغبتها الفقر بعد الغنى والمرض بعد العافية. ثم لا يليق بنبى اختاره الله لتبليغ رسالته أن. يتصف بالجحود والظلم. ونكران الجميل لزوجته التى وفقت مسانده له فى وقت تخلى عنه الجميع. زوجة أيوب صاحبة الفضل فى الحفاظ على أيوب وعلى رسالته السماوية. هى من تحملت وفاة أولادها، هى من فقدت قصورها وثرواتها وهى إبنة الأنبياء، ذات الحسب والنسب. هى من آمنت بوحدانية الله ولم تصدق وعود الشيطان، حين حاول إقناعها أنه إله الأرض وأنه يمكنه علاج أيوب. كيف لزوجة مثلها أن يكرهها زوجها وهى من أطعمته وسهرت على رعايته؟!

وحتى حين توعدها أيوب بالضرب إذا شفاه الله، لم يكن كرهًا لها بل خوفًا عليها من فتن الشيطان. وكيف لا يخشى الزوج على زوجته وخاصة وهو عديم الحيلة ومريض لا يقوى على الدفاع عنها! فكان من الطبيعى أن يكون فى حديثة شىء من العصبية والقلق عليها. هى من باعت ضفيرة شعرها لتشترى رغيف خبز لأيوب. 

أيوب حين شفاه الله وأراد أن يوفى بقسمه لم يضرب زوجته الضرب المبرح كما يتصور البعض، بل دعونا ننظر لقول الله تعالى لأيوب عليه السلام: (وخُذ بيدِك ضِغثًا فاضربْ به ولا تَحنَث). 

والقصص الحقيقية (الإسلامية واليهودية والمسيحية) تركز على صبر أيوب وإيمانه، وتوضح أن حلفه على ضرب زوجته كان بـ “ضغث” (عصا رفيعة) لتخفيف الحكم الشرعي، وهو إختبار إلهي وليس دليلاً على خطيئة. 

وبالرجوع إلى حواء، تجد أنها أم البشرية التى بحث عنها آدم فى بقاع الأرض حتى وجدها بعد خروجهما من الجنة. وكيف لمن يفترى فى قوله أن يجهل أن أدم لم يستمتع بنعم الله وحده بل تقاسم هذه النعم مع زوجته حواء؟! فهل أكل وتركها جائعه مثلًا؟

 افتراء أن أيوب أخطأ في إطعام الفقراء وكان بخيلًا

 هذه إتهامات، وليست حقائق. أيوب كان في الأصل بارًا، والقصص الصحيحة تؤكد أنه كان محسِنًا، وأن ابتلاءه كان إختبارًا لإيمانه وليس عقوبة على خطايا معينة.

أيوب تعنى التائب” أو “الراجع إلى الله”. وفى العبرية قد تعني “المُبتلى” أو “المُضطهد” أو “المكروه” بسبب التجارب القاسية التي مر بها. 

وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴿٤١ ص﴾

” الأُذُنَ تَمْتحِنُ الأَقْوَالَ، كَمَا أَنَّ الْحَنَكَ يَذُوقُ طَعَامًا”. هذه العبارة هي من سفر أيوب في الكتاب المقدس (أي ٣٤: ٣)، وهي دعوة للحكمة والتمييز؛ فكما أن الفم يتذوق الطعام ويميز بين الجيد والسيئ، يجب على الإنسان أن يمتحن الأقوال ويفرز الحق من الباطل، والخير من الشر، 

يقول الله تعالى: ( ووهَبنا له أهلَه ومثلَهم معهم رحمةً منا وذكرى لأولي الألباب ٤٣ وخُذ بيدِك ضِغثًا فاضربْ به ولا تَحنَث إنا وجدناه صابرًا نِعمَ العبدُ إنه أوَّابٌ) (سورة ص ٤١: ٤٤). 

في الآية مدحٌ من الله تعالى لأيوب عليه السلام، فهو نبيٌّ صابرٌ محتسبٌ أوّاب، صبر على ابتلاء الله تعالى له من غير جزع.

 وحتى تتبين لنا الصورة فإنه يَحسُن بنا أنْ نقف عند كلمة (ضغثًا) في الآية ومناقشتها: (ضغثًا): الضِّغث: هو الأشياء المختلطة والمُجَمَّعة، وهو كما في قول الله تعالى: (قالوا أضغاث أحلام)، فهي أحلامٌ ومشاهدُ مختلفة تجمَّعتْ واختلطتْ في نومٍ واحد. ومن خلال الدلالات اللغوية السابقة لكلمة: (الضِّغث)، فإنّنا يمكننا أنْ نفهم ماذا حدث مع أيوب عليه السلام، فقد أمره الله بأنْ يركض برجله ليَخرج الماءُ من الأرض، فيكون له مغتسلًا باردًا وشرابًا، فيشفَى ويبرأ بإذن الله تعالى ممّا كان يجد من المرض والنَّصب والأسقام. 

وفي هذه اللحظات التي كان فيها أيوب عليه السلام عُريانًا في مغتسله، وقد شفاه الله وأبرأه، أنزل عليه جرادًا أو فراشًا من الذَّهَب، وأمَرَه بأنْ يأخذ بيده ضغثًا من هذا الذهب الكثير بقدر ما تحمل يده فيضرب به ولا يحنث.

 لذلك قد يكون المُراد بـكلمة: (ضغثًا) هو ضِغث من الذهب الذي تساقط على أيوب عليه السلام جرادًا وفراشًا منتشرًا.

 وهذا المعنى هو نفس المعنى الذي نجده في الآية الكريمة: (وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله) (المزمل ٢٠)، حيث جاء الضرب بمعنى السعي والسير في الأرض، ولا مسوِّغ في السياق لأنْ نفهم الفعل: (فاضرب به) أنه بمعنى الجلد وإيقاع العقوبة، فليس في الآيات أيّة إشارة لأشخاص يستحقون العقوبة فيقع عليهم الضرب أو الجلد.

 ويمكن أنْ يكون المُراد بالضرب في قوله تعالى: (فاضرب به) هو المضاربة التجارية، والمُساهمة، والمشاركة،

أيوب

أيوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *