سر الحذر الأمريكى أمام كوريا الشمالية
كتب: ضاحى عمار
في عالم يُقاس فيه النفوذ بقدرة الدول على إيقاع الضرر لا بحجم ثرواتها، تبدو كوريا الشمالية لغزًا سياسيًا محرجًا للمنطق التقليدي. دولة فقيرة، معزولة، ومحاصَرة، لكنها تفرض على الولايات المتحدة، صاحبة أضخم ترسانة عسكرية في التاريخ، حسابات شديدة الدقة وترددًا لا يظهر في ساحات أخرى.
السبب لا يكمن في الاقتصاد ولا في رفاهية المجتمع، بل في طبيعة الدولة نفسها. كوريا الشمالية كيان بُني على فكرة الصمود حتى النهاية. نظام لا يتعامل مع التهديد باعتباره أزمة عابرة، بل باعتباره مسألة وجود. لهذا السبب، لا تُدار قراراته وفق منطق التسويات، وإنما وفق استعداد دائم للذهاب إلى أقصى مدى.
مع مطلع 2026، أعادت بيونغ يانغ التأكيد على هذا المسار عبر تسريع برامجها النووية والصاروخية، في رسالة مباشرة إلى واشنطن مفادها أن أي محاولة للمساس بالنظام، حتى لو كانت محدودة، قد تتحول إلى مواجهة واسعة لا يمكن التحكم في مسارها. ما يقيّد القرار الأمريكى ليس قوة الخصم بقدر ما هو الغموض الكامل بشأن طريقة ردّه.
العامل الأخطر أن هذا النظام لا يملك ما يخسره بالمعايير التقليدية. لا اقتصادًا منفتحًا، ولا مصالح دولية واسعة، ولا رأيًا عامًا يمكن أن يفرض التراجع. الدولة مُهيأة لتحمّل الصدمة، والفقر جزء من بنيتها لا نقطة ضعف عابرة. حين تختفي كلفة الخسارة الداخلية، تصبح المخاطرة خيارًا قابلًا للتنفيذ.
في المقابل، تظهر دول تمتلك ثروات ضخمة لكنها بلا أدوات ردع حقيقية، فتتحول مواردها إلى عبء لا يحميها من الضغوط أو المصادرة. التجربة تُثبت أن الثروة وحدها لا تصنع حصانة، وأن القوة بلا ردع تظل مكشوفة.
يزداد المشهد تعقيدًا مع تشابك كوريا الشمالية في توازنات دولية أوسع، سواء عبر تعاون عسكري متصاعد مع روسيا، أو عبر حسابات صينية ترى في بقاء النظام القائم حاجزًا استراتيجيًا أمام تمدد النفوذ الأمريكى. وفي الخلفية، تتابع إيران هذا النموذج بعين حذرة، مدركة الفارق بين دولة تلوّح بالردع، وأخرى تجعل منه عقيدة وجود.
أن النظام الدولي لا يتوقف كثيرًا أمام الشعارات أو الثراء، بل أمام القدرة على فرض كلفة لا يمكن احتمالها. كوريا الشمالية نجحت في ذلك، فحوّلت فقرها وعزلتها إلى عناصر ردع، وفرضت على أقوى دولة في العالم أن تتوقف عند حدود الحساب البارد.

