الرئيسيةمقالاتالحكومة بين خيار الاستمرار ورهان الاقتصاد
مقالات

الحكومة بين خيار الاستمرار ورهان الاقتصاد

الحكومة بين خيار الاستمرار ورهان الاقتصاد

كتب/ضاحى عمار 

 

مع بدء دورة برلمانية جديدة، يتجدد الجدل السياسي حول مصير الحكومة، في لحظة دقيقة تختلط فيها الحسابات الدستورية باعتبارات الواقع الاقتصادي. ورغم أن الأعراف السياسية اعتادت أن تتقدم الحكومة باستقالتها مع كل دورة برلمانية، فإن المشهد الحالي جاء مختلفًا؛ فلا استقالة قُدمت، ولا تكليف جديد أُعلن، ما فتح الباب واسعًا أمام التكهنات والتحليلات.

 

الدستور يمنح رئيس الجمهورية حرية كاملة في هذا الملف، سواء بالإبقاء على الحكومة الحالية، أو إجراء تعديل وزاري، أو تكليف رئيس وزراء جديد بتشكيل حكومة تعرض برنامجها على مجلس النواب لنيل الثقة. وبين هذه الخيارات، يبرز مساران رئيسيان يبدوان الأكثر حضورًا في تقديرات المراقبين.

 

الاستمرار كرسالة استقرار

السيناريو الأول يقوم على الإبقاء على حكومة الدكتور مصطفى مدبولي، وهو خيار يقرأه البعض باعتباره رسالة طمأنة في توقيت لا يحتمل ارتباكًا سياسيًا أو إداريًا. فالحكومة الحالية تدير ملفات ممتدة منذ سنوات، وترتبط باسمها مشروعات قومية ضخمة أعادت رسم الخريطة العمرانية والاقتصادية للدولة.

 

أنصار هذا الاتجاه يرون أن الاستمرارية تضمن الحفاظ على زخم التنفيذ، وتجنب كلفة التغيير في مرحلة تشهد ضغوطًا اقتصادية عالمية وإقليمية. كما يستند هذا الرأي إلى حقيقة أن الحكومة سبق أن قدمت برنامجها وحصلت على ثقة البرلمان، وهو ما يجعل إعادة طرح برنامج جديد غير مطروح إلا في حال تشكيل حكومة جديدة من الأساس.

 

في المقابل، لا يغيب عن هذا السيناريو جدل داخلي حول مدى كفايته لمواجهة التحديات المقبلة، خاصة ما يتعلق بملف الدين العام، وضبط الإنفاق، وتحسين مستوى معيشة المواطنين. ويذهب منتقدو هذا المسار إلى أن الاستقرار وحده لا يصنع اختراقًا، وأن المرحلة المقبلة قد تتطلب أدوات مختلفة وسياسات أكثر جرأة.

 

الاقتصاد في صدارة القرار

أما السيناريو الثالث، فينطلق من قناعة بأن طبيعة المرحلة تفرض تقديم الملف الاقتصادي على ما عداه، عبر إسناد رئاسة الحكومة لشخصية ذات ثقل اقتصادي وخبرة دولية. ويبرز في هذا السياق اسم الدكتور محمود محيي الدين، الذي راكم خبرة طويلة في إدارة الملفات المالية والاستثمارية، سواء خلال عمله الدولي أو أثناء توليه وزارة الاستثمار في مصر.

 

هذا الطرح يعكس توجهًا نحو حكومة تتعامل مع التحديات بلغة الأرقام، وتستهدف تحقيق أثر مباشر يشعر به المواطن، عبر كبح التضخم، وضبط أسعار السلع الأساسية، وجذب استثمارات قادرة على خلق فرص عمل حقيقية. ويعزز هذا السيناريو الاعتقاد بأن المرحلة الحالية لا تحتاج فقط إلى إدارة يومية للأزمات، بل إلى رؤية اقتصادية شاملة تعيد ترتيب الأولويات.

 

وفي الإطار نفسه، يبرز اسم حسن عبد الله، محافظ البنك المركزي، الذي ارتبطت فترته بتحقيق قدر من الاستقرار النقدي في ظل ظروف استثنائية. فقد شهدت المؤشرات تحسنًا ملحوظًا، سواء على مستوى الاحتياطي النقدي الأجنبي أو معدلات التضخم، وهو ما أسهم في استعادة ثقة المؤسسات الدولية والمستثمرين، وانعكس في تقييمات إيجابية وتمديد ولايته لمواصلة مسار الإصلاح.

 

هذا السيناريو يتسق مع توجهات الدولة الحالية، وفي مقدمتها برنامج الطروحات الحكومية وتحديث وثيقة سياسة ملكية الدولة، بما يعكس رغبة في إصلاح هيكلي أعمق، يوازن بين دور الدولة وفتح المجال أمام القطاع الخاص.

 

بين المسارين

بين خيار الاستمرار وخيار الرهان على الاقتصاد، يتحرك القرار في مساحة دقيقة تفرضها تعقيدات المرحلة. فالإبقاء على الحكومة الحالية يبعث برسالة استقرار، بينما يعكس اختيار شخصية اقتصادية رغبة في تسريع وتيرة الإصلاح. وفي الحالتين، يظل التحدي الحقيقي أمام أي حكومة مقبلة هو تحويل السياسات إلى نتائج ملموسة، تخفف الأعباء عن المواطن، وتعيد بناء الثقة بين الشارع والقرار التنفيذي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *