بين إعلان السيادة ونار الغارات. جنوب لبنان في اختبار الثقة المستحيل
كتب ضاحى عمار
بينما كانت الحكومة اللبنانية تعلن، ولأول مرة منذ أكثر من نصف قرن، بسط سيطرة الدولة الكاملة على المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني، كانت الطائرات الإسرائيلية توسّع نطاق غاراتها على الجنوب والشرق، في مشهد يلخص التناقض الحاد بين الخطاب السيادي اللبناني والواقع الأمني المشتعل. إعلان رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، الذي وُصف داخليًا بـ«اللحظة التاريخية»، لم ينجح في تبديد الشكوك الإسرائيلية، ولا في وقف نزيف القصف المتكرر، ما فتح الباب أمام أسئلة صعبة حول جدوى الانتشار العسكري وحدود الثقة بين الأطراف.
من بيروت، أكد سلام أن الدولة استعادت سيادتها على جنوب الليطاني، وأن العمل جارٍ لاستكمال المرحلة الثانية من خطة الجيش اللبناني لنزع السلاح وحصره بيد الدولة، وهي الخطة التي أقرها مجلس الوزراء في أغسطس الماضي. غير أن إسرائيل تعاملت مع التصريحات باعتبارها غير كافية، وواصلت سياسة الضغط العسكري، في رسالة مباشرة مفادها أن الوقائع على الأرض لا تُقاس بالبيانات الرسمية.
على الأرض، شهدت الأسابيع الأخيرة تصعيدًا لافتًا في الغارات الإسرائيلية، شمل مناطق شمال الليطاني وامتد إلى البقاع الغربي، في انتقال واضح من الضربات الموضعية إلى نمط استنزاف أوسع. هذا التصعيد تزامن مع نقاش داخلي إسرائيلي حول ما إذا كان الانتشار اللبناني قادرًا فعليًا على تحجيم قدرات حزب الله، أو أن الأمر لا يتجاوز إعادة انتشار شكلي لا يغيّر موازين الردع.
ويرى اللواء حسن عزب، نائب رئيس حزب الغد للأمن القومي، أن إسرائيل تاريخيًا لا تبني حساباتها على النوايا المعلنة، بل على قدرتها على فرض معادلة ردع بالقوة. ويضيف أن إعلان السيطرة جنوب الليطاني خطوة سياسية مهمة، لكنها أمنيًا غير كافية في نظر تل أبيب، التي تشكك في آليات نزع السلاح وقدرة الدولة اللبنانية على فرض قراراتها على الأرض. ويؤكد عزب أن استمرار الغارات يهدف بالأساس إلى اختبار جدية الدولة اللبنانية، وليس فقط الضغط على حزب الله.
في السياق نفسه، يوضح المحلل السياسي طارق الهواري أن إسرائيل تتعامل مع نهر الليطاني كخط أمني ونفسي أكثر منه جغرافي. ويقول إن أي نشاط عسكري شمال النهر يُقرأ إسرائيليًا باعتباره تهديدًا مباشرًا، حتى لو كان في إطار انتشار رسمي للجيش اللبناني. ويرى الهواري أن توسيع القصف نحو البقاع يحمل رسالة أخطر، مفادها أن العمق اللبناني لم يعد بمنأى عن الاستهداف، وأن قواعد الاشتباك مرشحة لمزيد من التسييل.
اللافت أن التصعيد الإسرائيلي لا يصل إلى حد الحرب الشاملة، بل يتحرك ضمن نمط محسوب ومنخفض الكلفة، يعتمد على التفوق الجوي والاستخباراتي، ويستهدف مناطق حساسة لوجستيًا ونفسيًا. هذا النمط، بحسب مراقبين، يسمح لإسرائيل بإدارة الصراع دون دفع أثمان سياسية أو عسكرية كبيرة، مع الحفاظ على الضغط المستمر على الدولة اللبنانية.
في المقابل، تبدو الحكومة اللبنانية محاصرة بين التزاماتها الداخلية وضغوط الخارج. فانتشار الجيش جنوب الليطاني يُنظر إليه داخليًا كإنجاز سيادي طال انتظاره، لكنه خارجيًا لا يحظى بالثقة المطلوبة، خاصة في ظل غياب آلية دولية فاعلة تضمن تنفيذ الترتيبات الأمنية ومنع الانزلاق.
ويحذر اللواء حسن عزب من أن استمرار هذا الوضع يضع لبنان أمام معادلة شديدة الخطورة، فإما ترجمة السيادة المعلنة إلى سيطرة فعلية تُقنع الخارج، أو البقاء في دائرة الاستنزاف المفتوح. بينما يرى طارق الهواري أن المرحلة المقبلة ستظل رهينة التطورات الإقليمية، مؤكدًا أن “أي تغير مفاجئ في الإقليم قد يحوّل هذا التصعيد المحدود إلى مواجهة أوسع.
في المحصلة، يقف جنوب لبنان اليوم عند مفترق طرق دقيق، بين إعلان سيادي لا يزال قيد الاختبار، وضغط عسكري إسرائيلي يراهن على الوقت والاستنزاف. وبين هذا وذاك، تبقى الثقة هي الحلقة المفقودة، في مشهد إقليمي لا يعترف بالبيانات بقدر ما يعترف بميزان القوة على الأرض.
بين إعلان السيادة ونار الغارات. جنوب لبنان في اختبار الثقة المستحيل

