الرئيسيةمقالاتالعالم يعيد ترتيب أوراقه: من صفقات التجارة إلى كسر هيمنة البترودولار… ومن «آبل» إلى «إنفيديا»
مقالات

العالم يعيد ترتيب أوراقه: من صفقات التجارة إلى كسر هيمنة البترودولار… ومن «آبل» إلى «إنفيديا»

العالم يعيد ترتيب أوراقه: من صفقات التجارة إلى كسر هيمنة البترودولار… ومن «آبل» إلى «إنفيديا»

 

بقلم: الجيوفيزيقي محمد عربي نصار

 

لم تعد السياسة الدولية تُقرأ من خرائط الجيوش وحدها، بل من خرائط التجارة والطاقة والتكنولوجيا. فالدول التي كانت تتحرك داخل “ممرات النفوذ الأمريكي” بدأت تبني طرقًا جانبية: اتفاقات ثنائية تُقلّل الاعتماد على واشنطن، وأسواق تُفتح بعيدًا عن شروطها، ونفطٌ يُدار بحسابات جديدة، وثورة ذكاء اصطناعي تنقل “سقف القوة” من الهاتف إلى المعالج ومن العلامة التجارية إلى الخوارزمية.

هذه ليست أحداثًا منفصلة؛ إنها سلسلة مترابطة تُظهر أن النظام العالمي يدخل مرحلة إعادة وزن: من يملك الطاقة؟ من يمول الحروب؟ من يتحكم في سلاسل الإمداد؟ ومن يقود موجة الذكاء الاصطناعي التي تعيد تعريف الاقتصاد ذاته؟

 

أولًا: الولايات المتحدة… من «شرطي العالم» إلى «مدير تكلفة النفوذ»

 

على امتداد عقود، اعتمدت الولايات المتحدة على معادلة بسيطة:

(دولار قوي + نظام مالي عالمي يدور حوله + تحالفات أمنية) = قدرة عالية على فرض القرار.

لكن هذا النموذج أصبح مكلفًا: حروب طويلة، أزمات داخلية، منافسة صاعدة، وتآكل “الطاعة التلقائية” من الحلفاء.

لذلك نرى واشنطن في السنوات الأخيرة تميل إلى توزيع فاتورة النفوذ: تريد شراكات تُموِّل وتشارك سياسيًا ولوجستيًا، لا مجرد دعمٍ معنوي. وفي ملف إيران تحديدًا، تظهر حساسية “الممول/الشريك” ليس بالضرورة كمَن يدفع مالًا فقط، بل كمَن يمنح: قواعد، أجواء، غطاء سياسي، وشرعية إقليمية.

 

ثانيًا: «اتفاق الصين مع كندا»… كسر “الاعتماد الوحيد” وإعادة فتح بوابة الشمال

 

في منتصف يناير 2026، شهدنا تحركًا لافتًا: زيارة رئيس وزراء كندا مارك كارني إلى بكين وإعلان مسار “شراكة استراتيجية” تُركز على تخفيف توترات التجارة وفتح مجالات تعاون جديدة. 

الأهم في هذا المسار أنه لم يأتِ كشعار دبلوماسي فقط، بل ارتبط بتفاهمات تجارية ملموسة:

تفاهمات لخفض/تهدئة رسوم متبادلة طالت قطاعات حساسة. 

وفي الخلفية، يظهر “منطق الصفقة”: كندا تريد تنويع أسواقها وتقليل الابتزاز التجاري، والصين تريد منفذًا مستقراً إلى شريك غربي كبير وسط منافسة محتدمة مع واشنطن.

لكن سلسلة الأحداث لا تتوقف عند أوتاوا وبكين… لأن واشنطن دخلت فورًا على الخط بمنطق “إما معنا أو ضدنا”. فقد أوردت رويترز أن الصين علّقت على الترتيبات مع كندا بأنها ليست موجهة ضد طرف ثالث، وذلك بعد توتر مرتبط بتهديد أمريكي بفرض رسوم ضخمة إذا مضت كندا في مسار اتفاقها.

الدلالة السياسية هنا:

التجارة لم تعد مجرد اقتصاد؛ أصبحت “أداة اصطفاف”. وأي دولة تحاول تنويع علاقاتها تُواجه سؤالًا أمريكيًا مباشرًا: هل ستُبقي سلاسل الإمداد في دائرة النفوذ الأمريكي أم تفتحها للصين؟

 

ثالثًا: الهند وفتح الأسواق لأوروبا… الرسوم الجمركية تتحول إلى «ورقة جيوسياسية»

 

إذا كانت كندا تتحرك لتقليل الاعتماد، فالهند تتحرك لتوسيع “هامش المناورة” عالميًا.

خلال يناير 2026، تصاعدت تقارير متقدمة عن اقتراب اتفاق تجارة حر/شراكة كبرى بين الهند والاتحاد الأوروبي تتضمن خفضًا كبيرًا للتعريفات في قطاعات محددة، وعلى رأسها السيارات، ضمن ما وُصف بأنه اتفاق ضخم بعد سنوات تفاوض. 

رويترز أشارت إلى إطار لخفض الرسوم على السيارات الأوروبية من مستويات مرتفعة جدًا إلى مستويات أقل (مع ترتيبات وتدرّج زمني واستثناءات لحماية الاستثمار المحلي في بعض القطاعات مثل السيارات الكهربائية لفترة).

لماذا هذا مهم في سياق “الترابط”؟

لأن الهند هنا لا تفتح سوقها فقط… بل تعيد توزيع شراكاتها التجارية في وقت يتزايد فيه الضغط الجمركي العالمي وتتصاعد الحساسية مع واشنطن. وفي منطق الاستراتيجية:

أوروبا تريد سوقًا عملاقًا ونموًا خارج الاعتماد المفرط على أمريكا/الصين.

الهند تريد بديلًا/توازنًا يرفع صادراتها ويمنحها قوة تفاوضية أكبر عالميًا. 

وهنا تتقاطع الخيوط: حين تتوسع بدائل التجارة، تقل قدرة طرف واحد على “التحكم بالبوابات”.

 

رابعًا: فنزويلا والبترودولار… النفط يعود كأداة صراع مالي لا كسلعة فقط

 

ملف فنزويلا ليس مجرد “دولة نفطية مأزومة”. إنه اختبار حي لفكرة:

هل يبقى النفط محكومًا بدولارٍ واحد ومسارٍ واحد؟ أم يتحول إلى أداة إعادة تموضع؟

في يناير 2026، ظهرت تقارير مهمة عن آليات إدارة عوائد نفط فنزويلا وتحويلها عبر ترتيبات مالية، بما يشمل إيداعات خارجية وتوجيه تدفقات الدولار في الداخل عبر البنوك والجهات النقدية، وسط أزمات عملة وتضخم وضغط عقوبات/إجراءات. 

كما تناولت تقارير أخرى تحولًا في مسار تدفقات النفط الفنزويلي وربط العوائد بترتيبات سياسية واقتصادية شديدة الحساسية. 

أين “البترودولار” هنا؟

الفكرة الجوهرية ليست أن فنزويلا وحدها ستسقط الدولار، بل أن “النموذج” يتعرض للتشقق عندما تصبح عوائد النفط:

تُدار عبر ترتيبات غير تقليدية،

وتتحول إلى أداة نفوذ وسيطرة على إعادة الإعمار أو الاستيراد،

وتُستخدم لتوجيه الاقتصاد داخليًا وإعادة تشكيل العلاقات خارجيًا. 

بمعنى آخر: الطاقة لم تعد فقط “برميلًا”… بل “قناة سيادية” تُقرر من يتحكم في العوائد وبأي عملة وبأي شروط.

 

خامسًا: أمريكا وإيران… “رفض الحلفاء” ليس شعارًا بل حسابات أمن واقتصاد

 

الحديث عن أن واشنطن “تبحث عن ممول” في أي صدام محتمل مع إيران لا يُفهم كبحث عن شيكٍ مالي فقط؛ بل كبحث عن شراكة إقليمية تمنح: قواعد، أجواء، دعمًا سياسيًا، وتقليلًا لكلفة التصعيد.

وفي يناير 2026 ظهرت مؤشرات صحفية واضحة أن حلفاء إقليميين في الشرق الأوسط ضغطوا باتجاه تأجيل/تجنب ضربات على إيران بسبب مخاوف من انفجار الإقليم واضطراب أسواق الطاقة والارتداد الأمني. 

هذه النقطة بالذات تفسر “الحلقة المفقودة” في سلسلة الأحداث:

عندما تتقارب الصين مع كندا، وتفتح الهند لأوروبا، وتظهر فنزويلا كنقطة شدّ في لعبة النفط/الدولار…

تصبح الحروب أغلى سياسيًا واقتصاديًا،

ويصبح الحلفاء أكثر حذرًا،

وتصبح واشنطن أكثر احتياجًا لتقاسم الأعباء.

 

سادسًا: هبوط «آبل» وصعود «إنفيديا»… انتقال مركز الثقل من “المنتج” إلى “العقل”

 

التحول الأكثر دلالة ليس فقط في السياسة والطاقة… بل في “قمة الاقتصاد العالمي” نفسها.

في يناير 2026، برزت تقارير عن تغيّر ترتيب عمالقة التكنولوجيا من حيث القيمة السوقية، مع استمرار هيمنة شركات الذكاء الاصطناعي والبنية الحاسوبية في قيادة المزاج الاستثماري، وتراجع نسبي لدور “الهاتف كملك” لصالح “المعالج كملك”.

رويترز أشارت إلى أن Alphabet تجاوزت Apple بالقيمة السوقية لأول مرة منذ سنوات، في سياق موجة إعادة تسعير مرتبطة بالذكاء الاصطناعي. 

المغزى الاستراتيجي:

القوة الاقتصادية القادمة ليست لمن يملك “أفضل جهاز” فقط… بل لمن يملك:

شرائح التدريب (Training)

سلاسل مراكز البيانات

منظومات النماذج والخدمات (AI Platforms)

وهذا يفسر لماذا تصبح “إنفيديا” أكثر من شركة… تصبح بنية تحتية للقوة.

 

الخلاصة: خيط واحد يربط الجميع

 

إذا وضعنا المشاهد جنبًا إلى جنب، يظهر خيط واحد:

تعدد الممرات التجارية (الصين–كندا، الهند–أوروبا) يعني تراجع القدرة على “الخنق التجاري” من مركز واحد.

الطاقة تتحول إلى أداة مالية/سيادية معقدة (فنزويلا) تفتح باب الأسئلة حول من يتحكم في العوائد وشروطها. 

الحرب تصبح أغلى سياسيًا عندما يرفض الحلفاء التصعيد أو يطالبون بالتهدئة (إيران). 

التكنولوجيا تعيد ترتيب قمة الاقتصاد: من “آبل النموذج الاستهلاكي” إلى “إنفيديا نموذج البنية الحاسوبية للذكاء الاصطناعي”. 

 

والنتيجة: نحن أمام عالم لا يسقط فيه النفوذ الأمريكي فجأة… لكنه يُعاد “تسعيره” كل يوم:

الهيمنة لم تعد مجانية… ومن لا يدفع كلفة النفوذ، يفقد جزءًا من قراره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *