اقتصاد الإرهاق: كيف تُدار الشعوب بالتعب؟
نعمة حسن
حين يصبح الإنهاكُ سياسة… لا عَرَضًا
هناك سؤالٌ بسيطٌ في صياغته… مُرعبٌ في إجابته:
لماذا صار الإنسانُ في هذا العصر أكثر تعبًا… رغم أنّ كل شيءٍ حوله صُمِّم ليُريحه؟
أمامنا سياراتٌ تُختصر بها المسافات، وهواتفٌ تحمل العالم في جيبنا، وأجهزةٌ تطبخ وتغسل وتُنظِّم وتُذكِّر… ومع ذلك، لا ينام الناس كما ينبغي، ولا يستعيدون طمأنينةً كاملة، ولا يشعرون أن الحياة “خفّت” يومًا واحدًا.
بل العكس: وكأنّ العمر يركض، وكأن الروح تُستنزف ببطء، وكأن العقل يعيش تحت ضغطٍ لا ينتهي… دون أن يفهم السبب.
ولأن الحقيقة لا تُقال كاملة على الشاشات، دعنا نفتح بابًا لا يطرقه كثيرون:
نحن لا نعيش أزمة إرهاقٍ فردية… نحن داخل منظومة اقتصادية كاملة تُدار على قاعدة واحدة:
الإنسان المُنهَك… هو الإنسان الأسهل قيادة.
هذه ليست مبالغة… هذه “معادلة”.
أولًا: لا يوجد إرهاقٌ بريء
الإرهاق الذي نراه اليوم ليس مجرد نتيجة عملٍ طويل أو مسؤولياتٍ كثيرة.
الإرهاق تحوّل إلى بنيةٍ كاملة للحياة:
دوامٌ ممتد، توترٌ مزمن، إيقاعٌ سريع، نومٌ مُقَطَّع، وذهنٌ مفتوح دائمًا على الشاشات… كأنه غرفة عمليات لا تُغلق.
الإنهاك لم يعد “تعبًا”… بل أصبح نمطًا معيشيًا.
وهذا هو الفارق الخطير:
التعب العادي يُشفى منه الإنسان.
أما “اقتصاد الإرهاق” فهو نظامٌ يجعل الإرهاق هو الوضع الافتراضي، الطبيعي، المستمر، الذي لا يُسأل عنه أحد.
ثم تأتي الجملة التي تُلخّص كل شيء:
حين يصبح الإرهاق طبيعيًا… تصبح الحياة كلها قابلة للبيع.
ثانيًا: من يملك انتباهك… يملك مصيرك
القرن الماضي كان صراعًا على النفط والمعادن والممرات.
أما هذا القرن، فهو صراعٌ على شيءٍ أغلى وأخطر:
الانتباه البشري.
انتباهك هو الوقود الجديد.
فإذا سُرق انتباهك… سُرقت حياتك دون مقاومة.
لكن كيف تُسرق حياة إنسانٍ بالغٍ واعٍ؟
لا تُسرق بالقوة.
تُسرق بالاستنزاف.
لأن الإنسان حين يكون مُنهَكًا:
لا يراجع التفاصيل
لا يقرأ بعمق
لا يتحقق من الأخبار
لا يتأمل قراراته
لا يقاوم الإقناع
لا يقف طويلًا أمام الحق والباطل
بل يتحول إلى كائنٍ يريد شيئًا واحدًا فقط:
أن ينجو من اليوم… بأي ثمن.
وهنا تبدأ السيطرة الناعمة:
ليس المطلوب أن تُصدّق… المطلوب فقط ألا تملك الطاقة لتكذّب.
ثالثًا: صناعة الإنسان المستنزف… مشروعٌ عالمي
إذا أردت أن تري “اقتصاد الإرهاق” وهو يعمل، فلا تنظر إلى خطاباته… انظر إلى سوقه.
المنظومة الحديثة تقوم على مثلثٍ قاتل:
١) صناعة السهر والشدّ العصبي
تطبيقاتٌ تُغريك بالبقاء:
“حلقة أخرى، فيديو آخر، خبر آخر، نقاش آخر، مقارنة أخرى…”
حتى يتحول الليل من مساحةِ استردادٍ للنفس… إلى مساحةِ استنزافٍ إضافية.
٢) صناعة الاستيقاظ القسري
وعندما ينهار الجسد، يأتونك بالحلول التي لا تُصلح شيئًا:
منبّهات، قهوة، كافيين، سكر، محفزات…
لتُكمِل نفس النمط… بنفس الإنهاك… وبنفس الحلقة.
٣) صناعة التخدير
ثم بعد أن تُستنزف، يبيعونك الراحة على هيئة “مُسكّن”:
شيءٌ يهدّئ القلق، شيءٌ يُنعّم النوم، شيءٌ يُطفئ الضجيج…
لا ليعالج أصل المشكلة، بل ليضمن استمرارك داخلها دون أن تصرخ.
وهكذا يصبح الإنسان في منتصف الدائرة:
يُسهرونه… ثم يُوقظونه… ثم يُخدّرونه.
وفي كل مرحلة… يُباع له شيء.
هذه ليست صدفة.
هذه خطة سوقية كاملة.
رابعًا: الإرهاق ليس ضعفًا… الإرهاق بوابة
حين تُرهَق، أنت لا تفقد الطاقة فقط.
أنت تفقد شيئًا أخطر بكثير:
قدرتك على المقاومة العقلية.
الإرهاق يجعل الإنسان:
سريع الغضب
سريع اليأس
سريع الحكم
سريع التصديق
سريع التعلق
سريع الشراء
سريع الانكسار
وهنا تظهر حقيقة مزعجة:
الإنسان المتعب… لا يثور.
لأنه ببساطة لا يملك “وقود الثورة”.
ولا يملك وقت الفهم.
ولا يملك رفاهية التفكير.
الإنسان المتعب يفعل شيئًا واحدًا:
يتنازل… ثم يتنازل… ثم يتنازل.
حتى يفقد نفسه، وهو يظن أنه “يتأقلم”.
خامسًا: كيف يُدار المجتمع حين يُستنزف الناس؟
يظن بعضهم أن السيطرة تكون بالعنف وحده.
الحقيقة أن العنف مكلفٌ وصاخبٌ ويثير الانتباه.
أما “اقتصاد الإرهاق” فهو أذكى:
يريدك مُنهكًا كي لا تنتبه أصلًا.
حين يصبح معظم الناس متعبين، يحدث شيءٌ مُفزع:
يسهل أن تُدار الحقيقة مثل لعبة.
الكذب لا يحتاج أن يكون مُقنعًا… يكفي أن يكون متكررًا
الخطأ لا يحتاج أن يُغفر… يكفي أن يُنسى
الظلم لا يحتاج أن يُبرَّر… يكفي أن يصبح روتينًا
الفشل لا يحتاج أن يُصحَّح… يكفي أن تضع عليه فلترًا
وحين تتشابه الأيام في الإنهاك، يسهل أن تُدار الشعوب بالضباب:
ضباب كثرة الأخبار،
ضباب كثرة الآراء،
ضباب السخرية،
ضباب التشتت.
حتى يصل الإنسان لحالة خطيرة:
يموت داخليًا… وهو حي.
سادسًا: لماذا يُصبح الإرهاق تجارة؟
لأن الإرهاق يفتح أبوابًا عظيمة للبيع:
تشتري بسرعة
تقرر دون وعي
تبحث عن مكافأة سريعة
تفرح بالسكريات والكلمات والجوائز الوهمية
وتقبل حلولًا لا تقبلها وأنت صاحٍ كامل
الإرهاق لا يصنع إنسانًا فقيرًا فقط…
الإرهاق يصنع إنسانًا مستهلكًا ممتازًا.
والإنسان المستهلك الممتاز هو الإنسان الذي:
يُشترى… بسهولة.
سابعًا: الكارثة الأكبر… الإرهاق يغيّر أخلاق الإنسان
هذه ليست مقالة عن النوم فقط.
هذه مقالة عن الأخلاق وهي تنهار تحت الضغط.
لأنك حين تُرهق:
تقل قدرتك على الصبر
يختفي حلمك ببطء
يصبح النجاح مجرد “نجاة”
تصبح الرحمة عبئًا
يصبح التفكير الثقيل رفاهية
تصبح الحقيقة ثقيلة على العقل
وعندها، تظهر نسخة جديدة من البشر:
بشرٌ لا يريدون الحقيقة…
يريدون ما يخفف عليهم.
وهنا تكمن المأساة:
حين يطلب الإنسان الراحة أكثر مما يطلب الحقيقة… تُباع له الأكاذيب على أنها علاج.
ثامنًا: من أكذوبة “أنت ضعيف” إلى الحقيقة: أنت مُستنزَف
الكذبة الأشهر التي يُلقنونها للناس هي:
“أنت الذي لا تُنظّم وقتك… أنت الذي لا تملك إرادة… أنت الذي لا تعرف توازنًا…”
بينما الحقيقة أشد قسوة:
أنت تُستنزَف داخل منظومة صُمِّمت كي لا تترك لك وقتًا لامتلاك نفسك.
وليس المقصود أن كل شيء مؤامرة سوداء…
بل المقصود أن الاقتصاد الحديث اكتشف شيئًا خطيرًا:
إنهاك الإنسان يحقق أرباحًا أعلى من راحته.
الراحة تخلق إنسانًا يفكر.
والتفكير يُنتج أسئلة.
والأسئلة تُربك السوق.
وتربك الخطاب.
وتُنتج وعيًا… والوعي مكلف على من يريد أن يبيع لك كل شيء.
تاسعًا: علامة الخطر… عندما تكره الصمت
انظر حولك.
الناس لا يخافون الحرب بقدر ما يخافون… “الهدوء”.
الهدوء مرعب لهم.
لأن الهدوء يجعل الصوت الداخلي يعود.
وذلك الصوت الداخلي يسأل أسئلة لا يريدون سماعها:
لماذا أنا متعب؟
لماذا لا أشعر بحياتي؟
لماذا كل شيء يمر بلا معنى؟
لماذا أنا مستنزف حتى وأنا في بيتي؟
والسؤال الأخير هو الأخطر:
من الذي سرق طاقتي؟
عاشرًا: الخلاص ليس نصيحة… الخلاص موقف
لا أكتب هذا المقال لأقول لك: “نام بدري”.
هذا تبسيطٌ مهينٌ للحقيقة.
أنا أكتب لأقول:
الإرهاق ليس مجرد إحساس… الإرهاق أصبح أداة إدارة.
ومَن لم ينتبه… سيعيش حياته كلها وهو يُقاد بالعجز.
الخلاص يبدأ حين تعلن الحرب على الاستنزاف.
ليس بتطرفٍ أو عزلة… بل بوعيٍ صارم:
أن تستعيد سيادتك على وقتك
أن تجعل الصمت جزءًا من حياتك
أن تُطفئ الضجيج عمدًا
أن ترفض أن تكون “قابلًا للبرمجة” بسبب التعب
أن تعرف أن نومك ليس رفاهية… بل حصانة
لأن الإنسان الذي ينام جيدًا…
لا تشتريه الشاشات بسهولة.
ولا تقوده الشائعات بسهولة.
ولا يُهزم من الداخل بسهولة.
الخاتمة: هذه هي الحقيقة التي لا تُقال
اقتصاد الإرهاق ليس مؤامرة تُقرأ… بل واقع يُعاش.
واقعٌ يُنتج إنسانًا متعبًا… لكي يكون أقل سؤالًا، أقل مقاومة، أكثر استهلاكًا، وأكثر قابلية للتوجيه.
وإذا أردتِ جملة واحدة تُقال كقاعدة ذهبية، فهذه هي:
حين يُرهَق العقل… تصبح الحقيقة قابلة للبيع.
لكن حين يستعيد الإنسان طاقته…
يستعيد سلاحه الأهم:
الوعي.
والوعي… هو الشيء الوحيد الذي تخشاه كل منظومة تريدك تابعًا.
فالعالم غارقاً منهكاً أمام الشاشات حتى الساعات الأولى من اليوم وهذه الساعات الأولى هي نفسها التي كان يستيقظ فيها من نوم طويل ليبيدأ عمله باكراً نشيطاً واعياَ غير متعباَ .
سرقت الشاشات الوقت والنشاط واستبدلت وقت النوم بوقت بداية اليوم فهزم الاستيقاظ باكراَ شر هزيمة ..
واسفاااااه ..
مع تحياتي ..
بقلم: نعمة حسن

