كتب/ضاحى عمار
لم يكن المشهد في نيودلهي بروتوكوليا عابرًا، ولا توقيعًا تقليديًا على أوراق اقتصادية. ما جرى هناك أقرب إلى إعلان هادئ عن تحوّل تاريخي في موازين القوة العالمية. الاتحاد الأوروبي والهند وقّعا اتفاقًا تجاريًا وأمنيًا واسع النطاق، لا يكتفي بإعادة رسم خرائط التجارة، بل يفتح الباب لعالم قادر على إدارة مصالحه بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية.
الاتفاق يؤسس لمنطقة تجارة حرة تضم قرابة ملياري إنسان، وهو رقم كفيل وحده بإعادة تعريف مفهوم “السوق العالمية”. إلغاء الرسوم الجمركية على نحو 90% من السلع المتبادلة، وخطط لمضاعفة الصادرات الأوروبية إلى الهند بحلول 2032، وتخفيضات غير مسبوقة على السيارات والنبيذ الأوروبيين، مقابل فتح الأسواق الأوروبية أمام المجوهرات والمنسوجات الهندية، كلها مؤشرات على شراكة لا تُبنى على المجاملة، بل على المصالح الصلبة.
لكن الأهم أن تفاصيل الاتفاق لا تتوقف عند الأرقام. فالتعاون يمتد إلى الأمن البحري، ومكافحة الإرهاب، والأمن السيبراني، مع حديث متقدم عن تطوير مشترك للتكنولوجيا العسكرية في المستقبل. هنا، تتجاوز الشراكة مفهوم التجارة إلى بناء مظلة استراتيجية متكاملة، تُقصي الشركات الأمريكية من قطاعات كانت حكرًا عليها، وتُقدّر خسائرها المحتملة بمئات المليارات سنويًا.
هذه ليست مواجهة عسكرية، ولا استعراض قوة تقليدي. إنها ضربة من النوع الذي يفهمه الاقتصاد المعولم جيدًا: إعادة توجيه الاستثمارات، تفكيك سلاسل التوريد القديمة، وسحب الثقة من مركز طالما اعتُبر قلب النظام العالمي. التريليونات لا تُعلن هجرتها في المؤتمرات الصحفية، بل تغادر في صمت، وهذا ما يحدث الآن للاقتصاد الأمريكى.
في المقابل، ما زالت واشنطن، في ظل قيادة دونالد ترامب، تراهن على أدوات أثبتت محدوديتها: حروب رسوم جمركية، ضغوط سياسية، وتهديدات متكررة للحلفاء قبل الخصوم. هذه السياسة، التي حوّلت التجارة إلى أداة صدام، دفعت دولًا كبرى إلى إعادة ترتيب أوراقها بعيدًا عن الولايات المتحدة، ليس بدافع العداء، بل بحثًا عن الاستقرار.
لم يعد تراجع الثقة أمرًا نظريًا. السياحة الأمريكية تتلقى ضربات مؤلمة، والاستثمارات الأجنبية أصبحت أكثر تحفظًا، وحتى الأحداث الكبرى، التي كانت تمثل واجهة ناعمة للقوة الأمريكية، باتت محاطة بالقلق والمقاطعة الصامتة. هكذا، يتحول شعار “أمريكا أولًا” إلى عبء اقتصادى باهظ التكلفة.
في أوروبا، لم تعد اللغة الدبلوماسية التقليدية كافية. وزير المالية الألمانى لارس كلينجبايل وجّه رسالة واضحة لواشنطن مفادها أن المساس بسيادة أوروبا أو أمنها، سواء في ملفات مثل جرينلاند أو غيرها، يمثل تجاوزًا للخطوط الحمراء. الرسالة لم تكن تهديدًا، بل إعلان استعداد للرد، وهو تطور غير مألوف في الخطاب الأوروبى تجاه الحليف الأمريكى التاريخى.
الأكثر دلالة أن الرد الأوروبى لم يأتِ من بروكسل أو برلين، بل من نيودلهي. وقبل أن تكتمل الدائرة من بكين، حيث تُناقش ترتيبات أوسع لتجارة بلا دولار. أنظمة الدفع البديلة تعمل، وخطوط المقايضة بين دول “بريكس” تتوسع، وبيع السندات الأمريكية لم يعد استثناءً. حتى أوروبا، التي تمتلك نحو 40% من هذه السندات، تراجع حساباتها، متجهة إلى الذهب والفضة كملاذ أكثر أمانًا.
ما يجري ليس عقابًا للولايات المتحدة، بل انسحابًا تدريجيًا من فوضى سياسية واقتصادية أضعفت الثقة في القيادة الأمريكية. التاريخ يُظهر أن القادة الشعبويين، حين تضيق أمامهم الخيارات الاقتصادية، يميلون إلى تصعيد خارجى للهروب إلى الأمام. غير أن هذا المسار، بدلًا من إنقاذ الموقف، غالبًا ما يعجّل بتآكل الداخل.
اتفاق أوروبا والهند جاء ليؤكد حقيقة باتت واضحة: العالم اكتشف أنه قادر على العمل دون أمريكا. وهذه لحظة فارقة تقف عندها واشنطن أمام مفترق طرق حاد؛ إما مراجعة شاملة لنهجها، أو الاستمرار في سياسات تقودها إلى عزلة أعمق.
ليست المسألة نهاية قوة عظمى، بل اختبار قدرتها على تصحيح المسار. غير أن المؤكد أن العالم لم يعد ينتظر، وأن البدائل تُبنى الآن، بهدوء، وبعقود موقعة بعيدًا عن البيت الأبيض.

