الرئيسيةمقالاتحين يكون الحزن من جهة الأحبة
مقالات

حين يكون الحزن من جهة الأحبة

حين يكون الحزن من جهة الأحبة

حين يكون الحزن من جهة الأحبة

محمود سعيد برغش 

حزنُ القلب ليس خفيفًا…

بل هو من أثقل ما يُحمل حين يأتي من جهة الأحبّة.

ذلك الحزن الذي لا يصرخ، ولا يُرى، لكنه يستقرّ في أعماق الروح، ويُرهق القلب بصمت، حين يكون مصدره من نحبهم أكثر من أنفسنا.

الحزن حين يكون الفقد حيًّا الحزن ليس ضعفًا كما يتوهّم البعض، وليس عيبًا في الإيمان، بل هو حالة إنسانية عميقة، تتسلّل إلى القلب حين نفقد من نحب، أو حين نراهم يبتعدون عنا وهم أحياء. نراهم يختارون طريقًا آخر، ونقف عاجزين لا نملك إلا الدعاء والصمت.

أن تحزن لفراق الأحبّة موجع، وأن تحزن لضياع من كانوا قطعة من قلبك أشدّ وجعًا،

لكن الأشدّ مرارة… أن تشاهد المشهد من بعيد،

تعرف الخطر، وتدرك النهاية،

ولا تستطيع أن تمنعهم بسبب تمرّدهم، أو إغلاق آذانهم عن النصيحة والكلام.

هذا النوع من الحزن لا يُرى، لكنه ينهش الروح ببطء.

الحزن في ميزان القرآن الكريم القرآن الكريم لم يُنكر الحزن، بل اعترف به وواسى القلوب به، وجعله شعورًا فطريًا لا يُحاسَب عليه الإنسان، ما لم يتحوّل إلى اعتراض على قضاء الله.

قال تعالى:

﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾

سورة الحديد – الآية 23

وقال عز وجل:

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾

سورة آل عمران – الآية 139

وفي أصدق مشاهد الحزن الإنساني، حزن يعقوب عليه السلام على يوسف:

﴿وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾

سورة يوسف – الآية 84

حزن نبي، وبكاء نبي، وكتمان نبي…

ولم يكن ذلك نقصًا في إيمانه، بل كمالًا في إنسانيته.

الحزن في السنة النبوية الشريفة رسول الله ﷺ، وهو أكمل البشر إيمانًا، حزن وبكى، وأقرّ الحزن، لكنه علّمنا كيف نُديره، لا كيف نُنكره.

عند وفاة ابنه إبراهيم قال ﷺ:

«إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا»

رواه البخاري

هذا هو ميزان الحزن الصحيح: دمعة بلا اعتراض، وألم بلا سخط، وحزن لا يُخرج صاحبه عن الرضا بقضاء الله.

رأي الصحابة والخلفاء الراشدين كان الصحابة رضوان الله عليهم يدركون أن الحزن لا يُلام، لكن الاستسلام له هو الخطر.

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:«ليس الصبر أن لا تحزن، ولكن الصبر أن لا تفتن»

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «إن صبرتَ جرى عليك القلم وأنت مأجور، وإن جزعتَ جرى عليك القلم وأنت مأزور»

فالحزن يمرّ على الجميع، لكن الفارق الحقيقي… في طريقة التعامل معه.

رأي الفقهاء والعلماء أجمع العلماء على أن الحزن شعور جبلي فطري، لا يُؤاخذ عليه العبد، ما لم يؤدِّ إلى:

اليأس من رحمة الله الاعتراض على القدر القطيعة أو الفساد في الأرض

قال الإمام ابن القيم رحمه الله:

«الحزن مرض من أمراض القلب، يضعف العزيمة، ويثبط عن السير إلى الله، لكنه إذا كان باعثًا على الرجوع والإنابة صار دواءً لا داء»

وقال الإمام الغزالي رحمه الله:

«القلب يحزن إذا فقد محبوبه، فإن قاده الحزن إلى الحكمة فهو نعمة، وإن قاده إلى السخط فهو نقمة»

حين تحزن لأنك عاجز أقسى أنواع الحزن ليس الفقد،

بل العجز…

أن تحب، وتنصح، وتخاف، ولا يُسمع لك، أن ترى من تحب يسير نحو ما يؤذيه، ولا تملك إلا القلب والدعاء.

وهنا يعلّمنا الدين أن نؤدي ما علينا: النصيحة، الدعاء،

الصبر، ثم نُسلّم النتائج لله.

قال تعالى:

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾

سورة القصص – الآية 56

الحزن ليس شيئًا خفيفًا،

خصوصًا حين يكون سببه من نحب،

وحين يكون الألم ممزوجًا بالعجز.

لكن الإيمان لا يطلب منا أن نكتم الحزن،

بل أن نرفعه إلى الله،

وأن نحمله بوعي،

وألا نسمح له أن يكسر قلوبنا أو يُ

طفئ نور أرواحنا.

فما دام القلب يحزن… فهو حيّ،

وما دام يلجأ إلى الله… فهو آمن.

حين يكون الحزن من جهة الأحبة

حين يكون الحزن من جهة الأحبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *