الرئيسيةأخبار العالممصر وتركيا من إدارة الخلاف إلى صناعة المصالح
أخبار العالم

مصر وتركيا من إدارة الخلاف إلى صناعة المصالح

مصر وتركيا من إدارة الخلاف إلى صناعة المصالح

مصر وتركيا من إدارة الخلاف إلى صناعة المصالح

كتب /ضاحى عمار

بانطلاق طائرة رئاسية تركية فوق أجواء المتوسط يتجدد المشهد الإقليمي بملامح مختلفة، وتتحول زيارة رجب طيب أردوغان إلى القاهرة من بروتوكول دبلوماسي إلى محطة إعادة ترتيب أوراق بين دولتين ثقيلتين في الإقليم. المشهد الآن لا يقف عند حدود الابتسامات أمام الكاميرات، بل يمتد إلى غرف العمليات الاقتصادية والعسكرية والصناعية حيث تُنسج تفاهمات تُبنى عليها حسابات السنوات المقبلة.

في قصر الاتحادية يتشكل مسار جديد للعلاقة المصرية التركية، مسار يقوم على شراكة إستراتيجية واضحة المعالم، تتكئ على اتفاقية تعاون عسكري إطارية وحزمة مذكرات تفاهم تمتد من الدواء إلى الزراعة ومن التجارة إلى الشباب. هذا المسار لا يُقرأ كصفحة سياسية عابرة، بل كخريطة مصالح متبادلة تعيد تعريف مكانة البلدين في شرق المتوسط وإفريقيا.

الشارع الاقتصادي في القاهرة وإسطنبول يراقب عن كثب، فرفع حجم التبادل التجاري إلى 15 مليار دولار لا يبدو رقما دعائيا، بل هدفا قابلا للتحقق مع اتساع مجالات التعاون في النقل البحري وأمن الملاحة والصناعات المشتركة. المصانع المصرية تستعد لاستقبال شراكات تركية في مجالات المكونات الصناعية الثقيلة، بينما تبحث الشركات التركية عن بوابة أوسع نحو السوق الإفريقية عبر مصر.

اللواء شبل عبد الجواد، رئيس الشرطة العسكرية سابقا ورئيس هيئة مكافحة الإرهاب بالمنطقة العربية، يرى أن الاتفاقية العسكرية الإطارية تمثل نقطة تحول نوعية. يقول إن التعاون الدفاعي بين القاهرة وأنقرة لا يستهدف طرفا بعينه، لكنه يخلق حالة ردع متوازن في المتوسط ويعزز قدرات البلدين على مواجهة التهديدات العابرة للحدود، من الإرهاب إلى تهريب السلاح والجريمة المنظمة. من وجهة نظره، التنسيق الأمني المتوقع سيُترجم إلى تبادل معلومات وتدريبات مشتركة وتصنيع دفاعي مشترك خلال المرحلة المقبلة.

على الضفة الاقتصادية، يوضح المهندس علي عبدة، رئيس مجلس التعاون العربي للتنمية، أن الشراكة المصرية التركية تحمل بعدا تنمويا يتجاوز السياسة. يشير إلى أن التكامل الصناعي بين البلدين قادر على خلق سلاسل توريد إقليمية جديدة، خاصة في صناعات السيارات والأجهزة الكهربائية والطاقة المتجددة. ويتوقع أن تشهد الفترة القادمة مشروعات مشتركة في المناطق الصناعية المصرية وموانئ المتوسط، بما يعزز فرص العمل ويزيد الصادرات.

في الوقت نفسه تتبلور رؤية مشتركة للأمن البحري وحرية الملاحة، حيث يصبح التنسيق المصري التركي عامل استقرار في شرق المتوسط بدل أن يكون ساحة تنافس. القاهرة تتحرك بدبلوماسية هادئة تحفظ توازناتها، وأنقرة تتجه نحو سياسة أكثر براغماتية تقوم على تصفير المشكلات وبناء المصالح.

منتدى الأعمال المصري التركي الذي ينعقد بالتوازي مع الزيارة يتحول إلى منصة فعلية لإبرام شراكات بين القطاع الخاص في البلدين. البنوك والمؤسسات المالية تبحث آليات تمويل المشروعات المشتركة، وشركات المقاولات والطاقة تضع خططا لدخول أسواق جديدة مستفيدة من الثقل الجغرافي والاقتصادي لمصر وتركيا معا.

القراءة الأعمق للمشهد تُظهر أن المصالحة الحالية ليست مجرد إنهاء لقطيعة امتدت قرابة عقد، بل إعادة صياغة لعلاقة تقوم على الواقعية والمصالح المتبادلة. الخلافات الأيديولوجية تتراجع أمام حسابات التنمية والأمن، وصوت المصالح يعلو فوق الخلاف

خلال المرحلة المقبلة يُنتظر أن تتوسع دوائر التعاون لتشمل التكنولوجيا والزراعة والصحة والسياحة، مع مشروعات مشتركة تُسهم في نقل المعرفة وتعميق التصنيع المحلي في البلدين. مصر ترى في الشراكة فرصة لتعزيز دورها كمركز إقليمي، وتركيا تعتبر القاهرة بوابة استراتيجية نحو إفريقيا والعالم العربي.

في الملف الصناعي تتجه الأنظار إلى إمكان إقامة مناطق تصنيع مشتركة قرب قناة السويس وموانئ دمياط والإسكندرية، حيث تتلاقى الخبرة التركية في التصنيع المتوسط مع القدرات اللوجستية المصرية. خطوط الإنتاج لا تكتفي بتجميع السلع، بل تنتقل تدريجيا إلى نقل التكنولوجيا وتوطينها، ما يخلق قاعدة صناعية إقليمية قادرة على المنافسة عالميا.

عسكريا تتبلور فكرة التصنيع الدفاعي المشترك، من قطع الغيار إلى بعض الأنظمة المتوسطة، بما يقلل الاعتماد على الخارج ويرفع جاهزية القوات المسلحة في البلدين. تدريبات مشتركة محتملة تظهر في الأفق، تركز على حماية السواحل وأمن الطاقة وخطوط الإمداد البحرية، وهو ما يعزز الاستقرار الإقليمي ويطمئن المستثمرين.

سياسيا يُعاد رسم خريطة التحالفات الناعمة في المنطقة، فالقاهرة وأنقرة لا تسعيان إلى محور مغلق، بل إلى شبكة مصالح مفتوحة مع دول عربية وإفريقية وأوروبية. التنسيق المتوقع في ملفات إقليمية يجعل البلدين شريكين في إدارة الأزمات لا مجرد متفرجين عليها.

اجتماعيا يُتوقع أن ينعكس التقارب على حركة السياحة والتبادل الثقافي، مع برامج مشتركة للشباب والجامعات، ما يعيد دفء التواصل الشعبي الذي تراجع خلال سنوات التوتر. الإعلام في البلدين يبدأ في تبني خطاب أقل حدة وأكثر مهنية، يعكس واقع الشراكة بدل صراعات الماضي.

هكذا تتشكل صورة جديدة للعلاقات المصرية التركية، صورة تقوم على العمل المشترك والربح المتبادل، وتضع المصالح فوق الخلافات.

ما يبدأ اليوم في القاهرة يمتد غدا إلى المصانع والموانئ والبحار، ليصنع واقعا أكثر استقرارا ونموا، ويؤكد أن الشراكة ليست شعارا بل مسارا عمليا يعود بالخير على البلدين وشعبيهما والمنطقة بأسرها ويُرسخ الثقة المتبادلة مستقبلا خطوة بعد خطوة.

مصر وتركيا من إدارة الخلاف إلى صناعة المصالح

مصر وتركيا من إدارة الخلاف إلى صناعة المصالح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *