خلط الزيف بالحقيقة أخطر من الإشاعات ويهدد الوعي العام
الممر مئة وسبعة
بقلم / محمد جابر
لم تعد خطورة المشهد الإعلامي المعاصر كامنة في الإشاعة وحدها فالإشاعة يمكن وئدها وغالبا ما يكون مصدرها معلوم أما الخطر الحقيقي فيكمن في خلط الزيف بالحقيقة حيث تتوارى الأكاذيب داخل حقائق جزئية فتبدو الرواية متماسكة ظاهريا بينما تحمل في جوهرها تضليل منظم وتشويه للوعي العام
لقد أصبح المتلقي محاط بطوفان من المعلومات لكنه يفتقد في كثير من الأحيان أدوات الفرز والتمييز وهذا ما يستغله الدجالون والمضللون فيتحول الإنسان من فاعل واعي في صناعة الوعي إلى متلقي ومستهلك سلبي لما يقدم له دون تمحيص أو مساءلة وهنا لا يكون الزيف صريح بل متخفي في ثوب المعلومة الممزوجة مما يجعله أكثر قدرة على التسلل إلى العقول وترسيخه كحقيقة
وفي قلب هذا الممر تقف الخوارزميات بوصفها منظومة من الخطوات العقلية والمنهجية المتتابعة المبنية على منطق رياضي وتهدف إلى تصنيف المحتوى وتوجيهه إلى المستخدمين هذه الخوارزميات التي تعد العمود الفقري للمنصات الرقمية ومحركات البحث لا تميز بين الحقيقة والزيف بقدر ما تميز بين ما يحقق التفاعل وما يجذب الانتباه وهكذا يصبح الرائج بديل عن الحقيقي والمثير بديل عن الصدق فتعاد صياغة الوعي العام وفق معايير الحاجة لا معايير المعرفة
وتتجلى خطورة هذا الممر في تعدد المنصات وتنوع الوسائط من صحف إلكترونية يعمل بعضها بمهنية حقيقية بينما يتحول بعضها الآخر إلى واجهات رقمية بلا ضوابط تحريرية إلى قنوات فضائية رسمية وخاصة وتجارية تتباين في معاييرها المهنية بين الرسالة والربح وصولا إلى منظومات البث الفضائي التي أتاحت الصوت للجميع دون ضوابط واضحة فأصبح الصوت الأعلى لا الصوت الأصدق
كما يلعب اللاند سكيب الإعلامي دور محوري في تشكيل الوعي العام إذ لا يقتصر على المنصة وحدها بل يشمل الصورة والخطاب والزمن والسياق والتأطير البصري واللغوي للمعلومة وهو ما يجعل المتلقي يعيش داخل مشهد بصري وفكري معد مسبقا لتوجيه الإدراك لا لتحريره
وفي هذا المناخ يظهر مدعو الصحافة والإعلام ممن لا يملكون أدوات المهنة ولا أخلاقياتها فيمارسون أدوار ظاهرية بلا مضمون ويضفون على أنفسهم صفات مهنية لا تستند إلى تأهيل ولا ممارسة حقيقية كما تنتشر صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي تدعي العمل الصحفي تمارس النشر بلا تحقق والتحليل بلا معرفة والتوجيه بلا مسؤولية فتتحول من فضاءات للتواصل إلى منصات لإعادة إنتاج الزيف ويوازي ذلك ظهور منصات صوتية وشخصيات تحمل ألقاب إعلامية دون سند مهني تحاكي الشكل وتغيب عنها الممارسة فتكرس الوهم بدل الوعي
ويزداد الخلط حين يساء استخدام المصطلحات فيطلق وصف إعلامي على المصور الفوتوغرافي دون تمييز بين الدورين رغم أن الإعلامي صاحب رسالة تحليلية وتحريرية وتوجيهية بينما المصور صاحب مهمة بصرية توثيقية وجمالية لا تقل قيمة لكنها تختلف وظيفة ومسؤولية وهنا يصبح الخلط في الأدوار مقدمة للخلط في المفاهيم كما برز نمط من الوجوه الإعلامية التي تقدم في إطار شكلي صرف دون حد أدنى من التأهيل أو الخبرة حيث يقوم الحضور على الشكل لا على المضمون وعلى ساعات هواء مدفوعة لا على رسالة مهنية في وقت تبدو فيه المؤسسات الرسمية في غفلة عن هذه التحولات او تغفلها عمدا علي حد سواء
ولا يقف الأمر عند حدود الإعلام وحده بل يمتد إلى الحقل الثقافي حيث يبرز دور بعض دور النشر واتحادات الكتاب في تمرير مؤلفات لا ترقى من حيث الفكرة أو اللغة أو القيمة المعرفية إلى أن تطبع من الأساس وهو ما يساهم في تضخم ظاهرة من ينعتون أنفسهم بالأدباء والشعراء في حين أن ما يقدمونه لا يرتقي إلى أي مستوى فكري أو جمالي حقيقي فيتحول النشر من رسالة ثقافية إلى تجارة أسماء وألقاب وتصبح الصفة الأدبية مجرد لافتة بلا مضمون
إن خلط المصطلحات واللعب بالألفاظ داخل وسط محدود الخبرة يفضي إلى إنتاج جمهور معدوم الوعي يقاد ولا يقود يصدق ولا يفكر يتبع ولا يسأل فيتحول إلى جمهور خلفي يستخدم وقود لمعارك لا تخصه وسند لمشاريع لا تخدمه وصورة تغلف واقع زائف
وهنا تستبدل الأماكن والأسماء ويستبدل الحق بالباطل ويصبح الزيف حقيقة والحقيقة شبهة ووصمة في جبين الحق وتتحول القيم إلى شعارات تستخدم كأدوات للهيمنة الرمزية والتضليل المنهجي كي تعلق على رؤوس المنصات لاستكمال العرض العبثي
ومن ثم فإن المعركة الحقيقية ليست مع الإشاعة وحدها بل مع منظومة التغييب والتزييف المركب التي تستخدم أدوات العصر ذاته من تقنية وإعلام وخطاب ومجموعة من المغيبين ومن تم تزييف وعيهم لإعادة تشكيل الإدراك الجمعي ليكونوا نواة تقف أمام نفسها ولا سبيل لمواجهة ذلك إلا بإعادة الاعتبار للعقل وإتاحة الفرصة الصادقة للرأي الآخر وترسيخ ثقافة السؤال والإجابة دون تقييد وتكريس دور الصحافة وتقنين أوضاع المتجاوزين ومحاسبة منصات الوهم
حينها فقط يمكن أن نوصفها بأنها سلطة وعي لا سلطة إثارة
فخلط الزيف بالحقيقة ليس مجرد خطأ إعلامي بل جريمة وعي لأن ضحيتها ليست خبر عابر بل تزييف عقل مجتمع بأكمله
