فرج احمد فرج
باحث انثروبولوجيا
الدين التراثي” أو ما يمكن تسميته بـ “دين التقاليد”، وهو مفهوم جوهري عند الحديث عن انحطاط الأمم. ففي عصور التراجع، يتحول الدين من “قوة دافعة” و”روح حية” إلى مجرد تراث ساكن، أو قشرة خارجية تُستخدم لتبرير أفعال “عصابة القصور”.
في سياق مقالنا، “الدين التراثي” هو الذي يُستدعى لتغطية مخازي الانحطاط؛ حيث يُفصل الدين عن الأخلاق الحية، ويُختزل في طقوس شكلية تسمح للحاكم بأن يبني أفخم المساجد في الصباح، بينما يغرق في ليله في دهاليز “ماليفا” ونزوات الغلمان.
وعندما تصل الأمم إلى قاع انحطاطها، فإنها لا تتخلى عن الدين كلياً، بل تمسخُه ليصبح “ديناً تراثياً” مفرغاً من جوهره. في قصور الانحطاط العثماني والعباسي، كان “الدين التراثي” هو الأداة التي تمنح “العصابة” شرعية زائفة؛ فتجد القصائد التي تتغنى بالجمال المنحرف تُكتب بمداد من يزعمون حماية التراث، وتجد الفقهاء الذين يبررون “أركانوم اللذة” تحت مسميات فقهية ملتوية. هذا الدين التراثي هو الذي جعل المجتمع ينشغل بالشكليات والستائر والزخارف المعمارية، بينما كانت الروح الإسلامية تئن تحت وطأة التحلل. إن “الدين التراثي” في هذه الحالة يصبح مجرد “ستارة” في القصر، تماماً كالستائر التي تخفي خلفها أسرار الغلمان ووثائق الابتزاز؛ إنه دينٌ يحرس التقاليد ويخون القيم، ويقدس الماضي ليبرر انحراف الحاضر.
حين تنفصل الأمم عن روح البحث والتجريب، وتتوقف شرائعها عن ملاحقة مستجدات العصر، تدخل في مرحلة “الجمود الحضاري”، حيث يتحول الوعي من “قوة فاعلة” إلى “ذاكرة راكدة”. في هذا الفراغ الروحي والعقلي، لا يتبقى للشعوب سؤال إن مأساة الانحطاط الكبرى تبدأ حين تتوقف الأمة عن “التجريب” بوصفه فعل استكشاف لآفاق الله في الكون، وتتحول الشرائع في نظرها إلى نصوص جامدة تخشى ملامسة مستجدات الحياة. هذا البعد عن الحداثة والاجتهاد يخلق حالة من “الركود الوجودي”؛ حيث يرتعب المجتمع من المستقبل، فيلوذ بحصون الماضي. في هذه البيئة الراكدة، يموت “علم الكتاب” الذي يحث على السير في الأرض والنظر في عواقب الأمم، ويحل محله “الدين التراثي” الذي يقدس الشكل ويهمل الجوهر. عندها، تتحول الحكمة إلى مجرد “سيرٍ” تُروى في المجالس، وتصبح المآثر البطولية للأجداد بمثابة “مخدر” يداري عجز الأحفاد.
في قصور الانحطاط، كان هذا الركود هو التربة الخصبة لنشوء “عصابة القصور”؛ فبما أن العقل قد تعطل عن الإبداع والتجريب، لم يعد هناك ما يملأ فراغ النخب سوى الانغماس في “أركانوم اللذة” والبحث عن متع شاذة كظاهرة الغلمان، التي كانت في جوهرها تعبيراً عن “ملل حضاري” وعجز عن مواجهة تحديات العصر. إن الأمة التي تعيش على “الماثر” دون أن تصنع مأثرة واحدة في يومها، هي أمة تحكم على نفسها بالهشاشة؛ فبينما يتقدم العالم بالبحث العلمي والمواءمة بين الشريعة والمصلحة، تظل هي حبيسة ستائر القصور العتيقة، تلوك قصص الماضي بينما حاضرها يُباع في سوق الوثائق الدولية.
إن الجمود ليس مجرد توقف عن الحركة، بل هو “تعفن في الهوية”؛ فحين تعجز الشرائع عن استيعاب مستجدات العصر، يبحث الناس عن بدائل في “الخفاء”، وهنا تظهر “ماليفا” كرمز لكل غواية تسد الفراغ الذي تركه غياب العقل المجتهد. إن العودة إلى “طهر الملامح” تتطلب شجاعة الاقتحام: اقتحام العصر بالبحث، وإعادة الروح للشرائع لتمشي بين الناس في أسواقهم ومختبراتهم، لا أن تظل حبيسة الكتب الصفراء. فالسير والماثر يجب أن تكون “وقوداً” للانطلاق، لا “قيوداً” تمنعنا من إدراك أن الزمان ينطوي لمن يملك ناصية العلم والعمل، أما من يكتفي بالاجترار، فإن التاريخ يطويه كصفحة منسية في كتاب الانحطاط.
هروب إلى الخلف، والاكتفاء بترديد السير والماثر، لتتحول الأمم من صناع للتاريخ إلى مجرد حراس للمقابر.
هنا استحضر؛ العنوان الشهير “ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين” للمفكر أبو الحسن الندوي، بينما المنهج الحركي والتشخيصي العميق لفكرة “الجاهلية الحديثة” والجمود ينسب لـ أبو الأعلى المودودي.
إن السؤال المرير الذي يفرضه التاريخ هو: ماذا خسر العالم بهذا الانحطاط؟ حين سقطت الحضارة الإسلامية في فخ “الركود” والبعد عن التجريب، لم تخسر الأمة استقلالها فحسب، بل خسر العالم أجمع “الميزان الأخلاقي” الذي يربط بين العلم والقيمة. لقد كان انحطاط المسلمين إعلاناً عن تسليم قيادة البشرية لقوى مادية تملك “التكنولوجيا” لكنها تفتقر إلى “الطهر”؛ مما حول العالم إلى مسرح لـ “الجاهلية الحديثة” – كما وصفها المودودي – حيث تُدار الأمم بعقلية “العصابة” والابتزاز، وتصبح الشهوة (أركانوم المادة) هي المحرك للسياسة الدولية.
عندما انسحب المسلمون إلى “الدين التراثي” واكتفوا بالاجترار والماثر، تركوا فراغاً هائلاً ملأته القوى التي لا تعترف بكرامة الإنسان. الخسارة الحقيقية كانت في تحول “علم الكتاب” – الذي يوازن بين الروح والمادة – إلى مجرد طقوس خالية من الروح. وبدلاً من أن تكون القصور مراكز للإشعاع الحضاري والبحث العلمي، أصبحت في عصور الانحطاط (خاصة في أواخر عهد العثمانيين) غرفاً مغلقة تُحاك فيها المؤامرات وتُباع فيها القيم في سوق “الغلمان” والنزوات. لقد خسر العالم “النموذج”؛ فلم يعد هناك من يقدم للبشرية سبيلاً يجمع بين رفاهية العيش وطهارة الملامح.
هذا الانحطاط جعل الأمة تعيش حالة من “الركود الوجودي”؛ فلا هي حافظت على أصالة الشريعة في مواجهة المستجدات، ولا هي اقتحمت غمار البحث والتجريب. وأصبح الانحلال الأخلاقي في القصور وسيلة للهروب من واقع الهزيمة الحضارية. إن العالم اليوم، الذي يئن تحت وطأة وثائق الابتزاز وشبكات الفساد، يدفع ضريبة ذلك اليوم الذي توقف فيه العقل عن الاجتهاد، واكتفت فيه القصور بالستائر الفخمة التي تخفي خلفها جسداً حضارياً مترهلاً. إن استعادة الدور ليست في العودة للماثر، بل في كسر قيود الجمود، وإدراك أن “علم الكتاب” هو فعلُ “بناء” مستمر، وليس مجرد بكاء على أطلال حضارة أضاعها انحلال النخب وركود العقول.
إن العالم الذي يئن اليوم تحت وطأة المادية المتوحشة، لم يخسر في انحطاط المسلمين مجرد قوة عسكرية أو هيمنة سياسية، بل خسر “البوصلة الأخلاقية” التي كانت تضبط إيقاع الوجود وتمنح الزمان والمكان قدسيتهما. لقد كان الانحطاط، في حقيقته، هو اللحظة التي تخلت فيها الأمة عن دورها كـ “شاهد على الناس”، لتتحول إلى مجرد صدى في دهاليز التاريخ. وكما شخص المودودي، فإن هذا الانسحاب لم يترك العالم في فراغ، بل سلمه لـ “جاهلية حديثة” تملك العقل التقني لكنها تفتقر إلى الروح الإنسانية؛ جاهلية حولت السياسة العالمية إلى “عصابة” كبرى، وحولت الإنسان من خليفة لله إلى “سلعة” في وثائق الابتزاز الدولية.
إن استعادة القيادة الأخلاقية للعالم لا تمر عبر “الدين التراثي” الذي يكتفي بتمجيد المآثر والتباكي على القصور، بل تمر عبر هدم جدران “الركود” والعودة إلى جوهر التجريب والبحث. فالشريعة التي عجزت في عصور الانحطاط عن مواكبة المستجدات لم يكن العيب فيها، بل في العقول التي حنطتها داخل ستائر القصور. إن الحل يكمن في إحياء “علم الكتاب” بوصفه علماً حياً قادراً على تفكيك أركانوم المادة وإعادة الاعتبار لـ “طهر الملامح”. إن الأمة التي تريد أن تنهض من عثرة “الغلمان” والنزوات التي نخرت عظام ماضيها، عليها أن تدرك أن “الجاهلية” ليست حقبة تاريخية انتهت، بل هي حالة تظهر كلما غاب العقل المستنير والروح المجاهدة.
إن الخروج من نفق الانحطاط يتطلب “ثورة وعي” تجعل من البحث العلمي عبادة، ومن التجريب فريضة، ومن العدل الاجتماعي أركانوم الحقيقة. إن العالم ينتظر نموذجاً يجمع بين “إتقان الصنعة” و”طهارة اليد”، نموذجاً يُخرج القصور من عزلتها والشرائع من جمودها. وعندما يتحرر المسلمون من قيود السير والماثر ليمارسوا “صناعة الواقع”، حينها فقط سيتوقف العالم عن دفع ضريبة انحطاطنا. إن الزمان لا يرحم الراكدين، والمكان لا يمنح سيادته لمن أضاع شفرة كتابه؛ فليكن بعثنا الجديد هو بعث “الروح في المادة”، لنكتب فصلاً جديداً في تاريخ البشرية، فصلاً لا مكان فيه للوجوه الهشة أو العصابات المستعجلة، بل للإنسان الذي استعاد وجهه الحقيقي في مرآة الحق والعمل.
إن أخطر تجليات الانحطاط هي تلك التي تصيب العقيدة في مقتل، حين يستحيل الدين إلى “دين تراثي”؛ وهو ذاك الكيان المسكون بالماضي، الذي يقدس الأشكال والرسوم بينما يفرط في الجوهر والروح. في هذا الطور، لم يعد الدين هو القوة التي تدفع المسلم لاقتحام المجهول بالبحث والتجريب، بل أصبح عبارة عن “ذاكرة جمعية” تُستحضر للتعويض عن الشعور بالنقص أمام مستجدات العصر. هذا الدين التقليدي هو الذي خلق حالة من السكيزوفرينيا الحضارية؛ فتجد النخب في قصورها ترفع شعارات “حماية التراث” في العلن، بينما تمارس في خفائها “أركانوم اللذة” والفساد الأخلاقي، معتمدة على فقه معطل ومنفصل عن الواقع.
في ظل الدين التراثي، تصبح “الماثر” أصناماً تُعبد بدلاً من أن تكون دروساً تُستلهم. وهنا يكمن الجمود؛ فبدلاً من أن يكون الدين هو المحرك لمواكبة العصر وحل مشكلاته، يتم تحويله إلى “سياج” يمنع العقل من التفكير بحجة الحفاظ على الهوية. هذا الركود هو الذي أضاع “علم الكتاب”؛ فالعلم الذي طوى الزمان والمكان (كما في قصة آصف بن برخيا) لم يكن علماً بظواهر النصوص، بل كان نفاذاً إلى قوانين الوجود. وحين فقدت الأمم هذا النفاذ، سقطت في قبضة “الجاهلية الحديثة” التي تملك ناصية المادة، بينما بقي المسلمون أسرى “الدين التقليدي” الذي لا يملك إجابة عن سؤال واحد من أسئلة المختبرات أو الأسواق العالمية.
إن هذا الدين التراثي هو الذي سمح بوجود “عصابات القصور”؛ لأنه فصل الأخلاق عن السياسة، وجعل من التدين مظاهر تُبنى بها الجوامع وتُزخرف بها المصاحف، بينما تُبنى في الخفاء سراديب الانحلال ووثائق الابتزاز. إن العالم لم يخسر المسلمين فحسب، بل خسر “الدين الحركي” الذي كان يربط السماء بالأرض. إن استعادة الدور تبدأ بتحطيم هذا الصنم “التقليدي”، والعودة إلى الدين بوصفه فعلاً تجريبياً مستمراً، يتفق مع مستجدات العصر دون أن يفقد طهره، ويواجه “ماليفا” الغواية بسلطان العلم لا بمجرد الحجب والستائر. إنها العودة من “الماثر” إلى “المؤثر”، ومن “السيرة” إلى “المسير”، حيث لا يكون الدين قيداً للموتى، بل روحاً تقود الأحياء نحو السيادة والكرامة.
إن الانحطاط في جوهره الأنثروبولوجي ليس مجرد سقوط سياسي، بل هو “لحظة الغروب الأخلاقي” التي تسبق الانهيار الكبير للأمم، حيث تبدأ الروح بالتآكل قبل أن تسقط العروش، ويحل “فقر المعنى” محل سيادة القيم. في هذه المرحلة الحرجة، يستبدل المجتمع “علم الكتاب” والسمو القيمي بـ “أركانوم اللذة” والابتزاز، فتتحول السلطة من أمانة مقدسة إلى “عصابة مستعجلة” تدير النزوات وتحتمي بالخفاء. إن انحطاط الأمم لا يبدأ بانهيار الجيوش، بل بصدع خفي يضرب جدار “المعنى”، حيث تظهر “الوجوه الهشة” للنخب التي تلمع في الضوء لكنها تتفتت تحت ضغط الفضائح، تماماً كما كشفت “وثائق جيفري إبستين” في عصرنا المعاصر، والتي لم تكن سوى صدى لفصول قديمة من الغواية المستخدمة كأداة للسيطرة والتدجين السياسي.
هذا الداء العضال لم يكن يوماً مقصوراً على أمة بعينها، بل كان حاضراً وبقوة في ثنايا الحضارة الإسلامية ذاتها في فترات أفولها، حيث شهدت أروقة الحكم تحولات صادمة أزاحت “علم الكتاب” لصالح “أركانوم الغرف المغلقة”. وفي هذا السياق، برزت ظاهرة “الغلمان” كجسد صارخ لهذا الانحطاط، حيث تحول هوس اللذة إلى ثقافة نخبوية تغلغلت في بنية السلطة، وحولت القصور في بعض العصور العباسية والعثمانية المتأخرة إلى مراكز لتصدير الرذيلة بدلاً من الفضيلة. وقد دون التاريخ نصوصاً ومؤلفات تتغنى بهذا الانحراف الأخلاقي، مما يعكس انحداراً مخيفاً في الوعي، حيث استُبدلت الفتوحات والعلوم بكتب تمجد الفساد، وصنعت حكاماً مرتهنين لنزواتهم، فاقدين للسيادة على أنفسهم قبل أن يفقدوها على شعوبهم.
إن أخطر تجليات هذا الانحطاط هي استحالة الدين إلى “دين تراثي” أو تقليدي؛ وهو ذاك الكيان المسكون بالماضي، الذي يقدس الأشكال والرسوم بينما يفرط في الجوهر والروح. في هذا الطور، لم يعد الدين هو القوة التي تدفع المسلم لاقتحام المجهول بالبحث والتجريب، بل أصبح عبارة عن “ذاكرة جمعية” تُستحضر للتعويض عن الشعور بالنقص أمام مستجدات العصر. هذا الدين التقليدي هو الذي خلق حالة من الانفصام؛ فتجد النخب في قصورها ترفع شعارات “حماية التراث” في العلن، بينما تمارس في خفائها كل أنواع التحلل، معتمدة على فقه معطل ومنفصل عن الواقع. وحين تنفصل الأمم عن روح البحث والتجريب، وتتوقف شرائعها عن ملاحقة مستجدات العصر، تدخل في مرحلة “الجمود الحضاري”، فلا يتبقى للشعوب سوى الهروب إلى الخلف، والاكتفاء بترديد السير والماثر، لتتحول الأمم من صناع للتاريخ إلى مجرد حراس للمقابر.
وهنا يبرز السؤال المرير الذي يفرضه التاريخ: ماذا خسر العالم بهذا الانحطاط؟ إن الخسارة لم تكن جغرافية فحسب، بل كانت خسارة لـ “القيادة الأخلاقية” للعالم. وكما شخص المودودي، فإن هذا الانسحاب لم يترك العالم في فراغ، بل سلمه لـ “جاهلية حديثة” تملك العقل التقني لكنها تفتقر إلى الروح؛ جاهلية حولت السياسة العالمية إلى “عصابة” كبرى، وحولت الإنسان من خليفة لله إلى “سلعة” في وثائق الابتزاز الدولية. إن استعادة الدور ليست في العودة للماثر، بل في كسر قيود الجمود، وإدراك أن “علم الكتاب” هو فعلُ “بناء” مستمر، وليس مجرد بكاء على أطلال حضارة أضاعها انحلال النخب وركود العقول. إن العالم ينتظر نموذجاً يجمع بين “إتقان الصنعة” و”طهارة اليد”، وعندما يتحرر المسلمون من قيود السير والماثر ليمارسوا “صناعة الواقع”، حينها فقط سيتوقف العالم عن دفع ضريبة انحطاطنا، ليعود الإنسان كائناً مقدساً لا يُباع في سوق النخاسة، وليبقى “الأركانوم” الحقيقي هو النور الذي لا يتبدد، والوجه الذي لا ينكسر
في حضرة الحقيقة الأزلية.

