الرئيسيةأخبار العالمتحت رماد الطبول إيران ليست فريسة سهلة
أخبار العالم

تحت رماد الطبول إيران ليست فريسة سهلة

تحت رماد الطبول إيران ليست فريسة سهلة

كتب ضاحى عمار 

اندفع المشهد الإقليمي ككرة نار ملتهبة، ومعه اندفعت التحليلات والتوقعات والتهويلات، حتى بدا وكأن الحرب قرار جاهز ينتظر ساعة الصفر. لكن ما جرى على الأرض كشف حقيقة مختلفة تمامًا: إيران لم تعد مجرد دولة مستهدفة يمكن الضغط عليها أو كسرها بسهولة، بل قوة صلبة ذات حضور عسكري وسياسي ممتد، وحساباتها المعقدة تجعل أي مغامرة ضدها مقامرة غير محسوبة العواقب.

فى الأيام الأخيرة، تحولت مواقع الأخبار وشاشات الفضائيات إلى ساحات صاخبة للحديث عن ضربة أمريكية وشيكة ضد طهران. خبراء يظهرون، خرائط تُعرض، سيناريوهات تُرسم، وكأن الحرب فيلم معدّ للعرض. غير أن الوقت مرّ، والأيام تعاقبت، ولم تتحرك واشنطن خطوة واحدة. هنا سقطت رهانات كثيرة، وتبخرت تصريحات، وانكشفت حالة من التسرع الإعلامى والسياسى التى لا تستند إلى قراءة واقعية للمشهد.

الذين دقوا طبول الحرب فى العواصم العربية والغربية على السواء، وجدوا أنفسهم فى مأزق. كانوا يتحدثون بثقة عن ضربة قريبة، فإذا بهم اليوم صامتون، أو يبحثون عن مبررات للتراجع. الحقيقة أن الإدارة الأمريكية تعرف جيدًا أن المواجهة مع إيران ليست نزهة عسكرية، وأن كلفتها قد تمتد إلى الاقتصاد العالمى، وأمن الخليج، وطرق الملاحة، وتوازنات المنطقة بأكملها.

حتى فى صالات المال الغربية، خسر مقامرون ملايين الدولارات وهم يراهنون على اندلاع الحرب سريعًا. الأيام أثبتت أن حسابات الأسواق لا تُدار بالأمنيات، وأن الضجيج لا يصنع وقائع. كان الرهان على نار لم تشتعل، فاحترقت معه الأموال والسمعة معًا.

 ترى المحللة السياسية مها الشريف، رئيس تيار المستقبل ضد العنف والإرهاب ونائب رئيس حزب الغد، أن ما يحدث يعكس خلطًا خطيرًا بين الإعلام والسياسة. وتقول إن إيران اليوم تمتلك أدوات ردع حقيقية، من قدرات صاروخية إلى شبكة حلفاء إقليميين، ما يجعل أى ضربة عليها بداية لحرب إقليمية لا يمكن التحكم فى مسارها. وتضيف أن لغة التهديدات لم تعد تُرهب طهران بقدر ما تدفعها إلى مزيد من التشدد.

وبينما كانت إسرائيل فى الحرب الماضية تقصف طهران ومنشآتها الحيوية، ظهر مشهد موازٍ أثار غضبًا واسعًا داخل إيران ابن الشاه المخلوع فى تل أبيب، يجلس مع نتنياهو، يحتسى الويسكى، ويرتدى الطاقية اليهودية، وبصحبته صديقته وكلبه المدلل. صورة بدت لكثيرين وكأنها استفزاز مباشر لمشاعر الإيرانيين، أكثر منها محاولة سياسية جادة.

هذا المشهد كشف تناقضًا صارخًا: كيف لشخص اختار التحالف العلنى مع خصم تاريخى أن يدّعى تمثيل الشعب الإيرانى أو يدعوه للثورة؟

 لو كان الإيرانيون يرغبون فى عودة حكم الشاه، لما أسقطوه أصلًا. الثورة الإيرانية لم تكن انقلابًا عسكريًا ولا مؤامرة نخبوية، بل حركة شعبية واسعة غيّرت وجه الدولة بالكامل.

يقرأ العقيد هاني الحلبي، الخبير الاستراتيجي، الأمر من زاوية أمنية بحتة، ويؤكد أن إسرائيل تراهن على رموز من الماضى ظنًا منها أنها يمكن أن تُستخدم كأدوات ضغط داخلى، لكنها تتجاهل التحولات العميقة داخل المجتمع الإيرانى. ويشير إلى أن أى تغيير محتمل فى طهران سيكون على الأرجح داخل إطار جمهورى جديد، لا عودة لملكية انتهى زمنها.

المثل الشعبى الإيرانى القاسى الذى يتداوله الناس يلخص الموقف بسخرية لاذعة: شرط العودة المستحيلة هو أمر مستحيل أصلًا. رسالة واضحة بأن صفحة الماضى طُويت، وأن الأحلام الملكية لن تجد طريقًا للواقع.

 أن إيران اليوم ليست الدولة التى يمكن التعامل معها بخفة أو تهديدات عابرة. هى لاعب ثقيل فى الإقليم، يمتلك أوراق قوة حقيقية، ويعرف كيف يدير الصراع طويل النفس. بين طبول الحرب الأمريكية، ومراهنات الأسواق، واستعراضات المعارضين فى الخارج، تقف طهران ثابتة، مدركة أن الزمن لا يعود إلى الخلف، وأن المعركة الحقيقية ليست فى التصريحات، بل فى ميزان القوة على الأرض.

تحت رماد الطبول إيران ليست فريسة سهلة

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *