أركان الأرض نطقت والمنوط لهم خرسوا الممر مئة وثمانية
بقلم محمد جابر
تعصف الأزمات بالممرات تلك سنة الحياة ولكن هنا يختلف الوضع داخل هذا الممر حيث يتراجع صوت المارة ليعلو صوت الأرض ذاتها لا بوصفها جمادا بل ككائن حي يختزن وجع ساكنيه فحين تنطق الأرض فإنها لا تفعل ذلك بلغة الطبيعة وحدها بل بلغة السياسة والاقتصاد والثقافة والاجتماع معا وحين يخرس المنوط لهم بالكلمة والقرار تصبح الصرخات أشد وضوحا من كل الخطب ويصبح الصمت شلل لحظي لا يقل خطورة عن الفعل في هذه اللحظة الفاصلة يصبح السؤال من يسمع الأرض حين تصرخ من فراغ المسؤولية وصمم المسؤولين وشطحات نواب البرلمان وهلوسة الإذاعة والتليفزيون وبيع ساعات الهواء لمرضى الظهور لتبث لنا أمراضهم وحروفهم العفنة فالعدو أصبح بالداخل وأخطر من الخارج بكثير
لم تعد الأرض صامتة كما اعتدنا أن نراها في كتب الجغرافيا وخرائط الطقس ولا في كتب التراث التي تحدثت عن عناصرها الأربعة التراب والماء والهواء والنار بل صارت تنطق بأوجاع الناس وتصرخ من تحت أقدامهم أغيثونا بينما المنوط لهم بالكلمة والقرار والتغيير قد خرسوا أو آثروا الصمت فالأزمات لم تعد أرقام في تقارير فصلت ولا عناوين في نشرات الأخبار لدغدغة بل صارت حياة يومية ثقيلة تطحن المواطن في تفاصيل معيشته وتعيد تشكيل وعيه بل وتتحكم في تنفسه
في المشهد الاقتصادي تبدو المعاناة رأي العين فالغلاء لم يعد موجة عابرة بل صار حالة عامة تضرب أساسيات الحياة من غذاء ودواء ومسكن وتعليم وتدفع قطاعات واسعة من المجتمع إلى دائرة العوز أو حافة الفقر حيث تتآكل الدخول أمام معركة الأسعار وتتراجع القدرة الشرائية أمام الالتزامات التي لا تنتظر ولا ترحم ويجد المواطن نفسه محاصر بين متطلبات العيش الكريم وواقع لا يوفر له الحد الأدنى من الطمأنينة المعيشية
أما على المستوى السياسي فإن المواطن يعيش حالة من القلق الصامت فلا هو منخرط بفاعلية ولا هو بعيد تماما بل يقف علي حافة الهاوية يتابع الأحداث ويتلقى القرارات دون أن يشعر بأن صوته مسموع أو أن همومه تجد ترجمتها في السياسات العامة ويتزايد هذا الشعور مع اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الملموس في الشارع حيث تتكاثر التحديات وتتعقد الحلول بينما يظل الحوار المجتمعي محدود الأثر ضعيف الصدى ويظنون وهما أن خفت الصوت نتيجة ارتفاع صوت البهلونات وفرقعة البالونات في ليالي مهرجان الزيف وكرنفال التزييف وفتح سوق النخاسة على مصراعيه وغض الطرف عما يحدث داخله ظنا أن النار تأكل بعضها ولكنها تلهب الأرض تحت أقدامهم
وفي المجال الثقافي تتراجع الثقافة بوصفها أداة وعي وتحرر أمام ضغط المعيشة وسرعة الحياة وهيمنة المحتوى السريع والاستهلاكي فتتقلص مساحة القراءة الجادة والحوار العميق وينزاح الاهتمام عن الفنون والمعرفة لصالح ما هو سريع العائد ويزداد الأمر سوء حين تغيب السياسات الثقافية القادرة على ربط الثقافة بالواقع اليومي للناس وجعلها جزء من الحل لا مجرد محاكاة فلسفية بعيدة
أما المشهد الاجتماعي فهو الأكثر إيلاما حيث تتآكل الروابط الأسرية تحت وطأة الضغوط الاقتصادية وتتزايد معدلات التفكك الأسري وحالات الطلاق لا بوصفها ظاهرة أخلاقية فحسب بل نتيجة مباشرة لقلة ذات اليد وضيق الحال وتراكم الأعباء على كاهل الأسرة التي تجد نفسها عاجزة عن توفير احتياجاتها الأساسية أو الحفاظ على توازنها النفسي والعاطفي في ظل صراع يومي مع الفقر والقلق
إن أركان الممرات حين تنطق فإنها لا تتحدث عن الطبيعة وحدها بل عن الإنسان الذي يعيش فوقها وتحت سمائها وبين نار همومه وهواء آمال تعصفها الرياح وماء احتياجاته يتساوم عليها وتراب واقعه تحيطه الصراعات من الجوانب الأربعة وإذا كانت الأرض قد قالت أغيثونا بينما المنوط لهم خرسوا فإن المقصود الحقيقي هو الإنسان المصري الذي يحتاج إلى سياسات أكثر عدل وإلى ثقافة أكثر حضور ووعي وإلى اقتصاد أكثر إنصاف وإلى مجتمع أكثر تماسك فالأزمة ليست أزمة موارد بل أزمة إدارة ووعي وتوازن بين ما هو اقتصادي وما هو اجتماعي وما هو ثقافي وما هو سياسي
غير أن ما لا يقال أحيانا أخطر مما يقال فخلف الممر الظاهر تكمن ورائيات أكثر تعقيدا ومرارة تتعلق ببنية الحكومة وشكلياتها ومنظومة الحوكمة وتشكيلها وآليات اتخاذ القرار وجرأته ومستوى الشفافية ووهم المساءلة وحدود المشاركة المجتمعية ومشهدية خيالية لعالم مواز وكل هذا داخل ممر يحاكي ورائيات لا تظهر في الأرقام ولا في الخطب لكنها تحكم الممر بالحديد والنار وتعيد إنتاج الأزمات ذاتها بأشكال مختلفة ومن هنا فإن قراءة الواقع لا تكتمل إلا إذا تجاوزنا سطحية مشهد مفتعل إلى ما وراءه وفهمنا ما يدار في الخفاء بقدر ما نحلل ما يعلن في العلن فربما يكون خلاص الأرض والإنسان معا مرهونا بإصلاح الحكومة وتعزيز الحوكمة الرشيدة قبل أن تتحول الصرخة إلى صمت أبدي
أركان الأرض نطقت والمنوط لهم خرسوا الممر مئة وثمانية


