صاروخ “تسيركون” يُربك ميزان القوة البحري بين موسكو وواشنطن.
ماجد شحاتة
شهد ميزان القوة البحرية تطورا لافتا مع إعلان روسيا إدخال صاروخ “تسيركون” الفرط صوتي إلى نطاق الاستخدام العملياتي، ونشره على متن عدد من القطع البحرية، في مقدمتها فرقاطات حديثة مثل “الأدميرال جورشكوف”.
ويأتي ذلك في وقت تواصل فيه الولايات المتحدة التأكيد على تفوق أساطيل وحاملات طائراتها بوصفها الركيزة الأساسية لإسقاط القوة عبر البحار.
صاروخ “تسيركون” يصنف ضمن فئة الصواريخ الفرط صوتية، وتقدير سرعته بنحو 9 ماخ، مع مدى قد يصل إلى قرابة 1000 كيلومتر وفق البيانات العسكرية المعلنة. وتمتاز هذه الفئة من الصواريخ بقدرتها العالية على المناورة وسرعة الوصول إلى الهدف، ما يقلص زمن الإنذار ويعقد مهمة أنظمة الدفاع الجوي والبحري التقليدية.
وخلال اختبارات إطلاقا تجريبية أعلنت عنها موسكو في مناسبات سابقة، أكدت وزارة الدفاع الروسية إصابة أهداف بحرية بدقة، ووصفت المنظومة بأنها تمثل إضافة استراتيجية لقدرات الردع الروسية، خاصة في مواجهة الأهداف عالية القيمة مثل القطع البحرية الكبيرة.
وتعتمد الاستراتيجية البحرية الأمريكية منذ عقود على حاملات الطائرات التي تُعد قواعد جوية عائمة، وتصل تكلفة الواحدة منها إلى مليارات الدولارات، وتتحرك ضمن تشكيلات حماية تضم مدمرات غواصات وأنظمة دفاع متعددة الطبقات. إلا أن ظهور الصواريخ الفرط صوتية أعاد فتح نقاش عسكري واسع حول مدى قدرة هذه التشكيلات على التعامل مع تهديدات فائقة السرعة وقليلة زمن الاستجابة.
ويرى خبراء عسكريون أن الصواريخ الفرط صوتية، ومنها “تسيركون”، تمثل تحديا حقيقيا المنظومات مثل الدفاعات البحرية بعيدة المدى، نظرًا لصعوبة تتبعها اعتراضها مقارنة بالصواريخ التقليدية أو الباليستية ذات المسارات المتوقعة نسبيا. كما أن الطيران بسرعات عالية قد يخلق ظواهر فيزيائية حول جسم الصاروخ تؤثر على بصمته الرادارية ومسار اعتراضه.
في المقابل، تشير تقديرات غربية إلى أن وصف حاملات الطائرات بأنها أصبحت “توابيت عائمة” يدخل في إطار المبالغة الدعائية، إذ لا تزال هذه الحاملات تعمل ضمن شبكات دفاع متكاملة تشمل إنذارا مبكرًا جويا، حربا إلكترونية، وصواريخ اعتراض متعددة المراحل، إضافة إلى برامج أمريكية متسارعة لتطوير وسائل مضادة للأسلحة الفرط صوتية.
تحليل استراتيجي
يعكس إدخال “تسيركون” الخدمة الفعلية انتقال المنافسة العسكرية إلى مرحلة السرعات الفرط صوتية، حيث يصبح عامل الزمن هو العنصر الحاسم في الاشتباك. وهذا التطور لا يلغي دور حاملات الطائرات، لكنه يفرض إعادة تقييم لأساليب انتشارها و مسافات اقترابها من مناطق النزاع عالية الخطورة.
الأرجح أن المرحلة المقبلة ستشهد سباق تقنيا مسرعا بين وسائل الهجوم الفرط صوتية ووسائل اعتراضها، ما يعزز منطق الردع المتبادل بدل الحسم الأحادي للتفوق. وبدل أن تنتهي “اللعبة” لصالح طرف واحد، يبدو أن قوا
عدها هي التي تتغير.
صاروخ “تسيركون” يُربك ميزان القوة البحري بين موسكو وواشنطن.


