مصر من الاصطفاف إلى النفوز لترسم قواعد اللعبة في مقديشو
ضاحى عمار
ينفتح المشهد على صوت محركات ثقيلة وهي تدور في ساحة الاصطفاف، فيما تتقدم المركبات المدرعة بانتظام محسوب، وكأن كل متر تتحركه يحمل رسالة أبعد من حدود العرض العسكري ذاته. هنا، على أرض القاهرة، لا يبدو ما جرى مجرد طقس بروتوكولي قبل السفر، بل إعلان موقف مصري مكتمل الأركان تجاه صومالٍ يخرج ببطء من ظلال الحرب، وتجاه إقليمٍ مضطرب يتداخل فيه الأمن بالمياه والتجارة والنفوذ.
أمام الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، تصطف القوات المصرية التي تستعد للانتشار ضمن بعثة الاتحاد الإفريقي لدعم وحدة الصومال وأمنه وسلامة أراضيه. المشهد مُحكم: ضباط يقيسون الزمن بالثواني، جنود يتحركون بخطوات متطابقة، ومعدات حديثة تُعرض بعناية لتؤكد أن المشاركة ليست رمزية، بل ميدانية ومؤثرة. بيان الجيش لا يكتفي بالوصف، بل يشدد على الجاهزية والاستعداد القتالي لكافة الأسلحة والتخصصات، وكأن القاهرة تريد أن تُرى قبل أن تُسمع.
حسابات الأمن
في خلفية المشهد، تتراكم حسابات السياسة. مصر لا تنظر إلى الصومال كملف بعيد، بل كحلقة مباشرة في أمنها القومي الممتد عبر البحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس. أي خلل هناك يرتد هنا، وأي فراغ أمني يُملأ سريعًا بقوى إقليمية ودولية لا تتقاطع بالضرورة مع المصالح المصرية.
اللواء شبل عبد الجواد، رئيس الشرطة العسكرية سابقًا ورئيس هيئة مكافحة الإرهاب بالمنطقة العربية، يقرأ الاصطفاف بوصفه رسالة ردع متعددة الاتجاهات. يقول إن الجيش المصري لا يستعرض عضلاته للفرجة، بل يضع خطوطًا حمراء عملية، موضحًا أن القدرة على تنفيذ مهام خارج الحدود لم تعد خيارًا بل ضرورة في بيئة إقليمية تتغير بسرعة. من وجهة نظره، الانتشار في الصومال يحقق هدفين متلازمين: دعم دولة تواجه الإرهاب، وتثبيت حضور مصري في فضاء استراتيجي بالغ الحساسيةخرائط النفوذ
على الجانب السياسي، ترى المحللة رشا فتحي أن التوقيت لا ينفصل عن التحولات الأخيرة في القرن الإفريقي، خصوصًا بعد الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال. وتؤكد أن القاهرة تعتبر هذه الخطوة سابقة خطيرة قد تفتح باب التفكك أمام دول أخرى، وتخلق واقعًا جديدًا يعيد رسم خرائط النفوذ على حساب الاستقرار. بالنسبة لها، فإن التحرك المصري مزيج من الدبلوماسية الصلبة والقوة الناعمة المسلحة، حيث يترافق الدعم الأمني مع خطاب يؤكد وحدة الصومال وسيادته.
داخل الصومال نفسه، تتقاطع الآمال مع المخاوف. مقديشو تُراهن على القاهرة كما تُراهن على أنقرة، في مواجهة أطماع خارجية وضغوط داخلية وإرث ثقيل من الصراعات. الحرب الطويلة ضد حركة الشباب المرتبطة بالقاعدة لم تنتهِ بعد، لكنها دخلت مرحلة جديدة تتطلب تدريبًا وتسليحًا وتنسيقًا استخباراتيًا أعمق، وهو ما يمكن للقوات المصرية أن تضيفه عمليًا على الأرض.
في القاهرة، لا يُنظر إلى المهمة بوصفها حفظ سلام تقليديًا فقط، بل كجزء من معادلة أوسع تتصل بسد النهضة والخلاف مع إثيوبيا. أديس أبابا تتحفظ على المشاركة المصرية، وتقرأها كتمدد نفوذ في محيط تعتبره حيويًا لها. هذا التوتر يجعل من كل خطوة مصرية في الصومال جزءًا من رقعة شطرنج إقليمية أكبر، حيث تختلط المياه بالجغرافيا بالتحالفات.
التزام صريح
الرئيس عبدالفتاح السيسي قال بوضوح إن مصر “ماضية في استكمال نشر قواتها” التزامًا تجاه إفريقيا وحرصًا على أمن الصومال. لكن ما بين الكلمات وخطوط الانتشار تمتد مسافة مليئة بالحسابات الدقيقة: كيف تُدار العلاقة مع تركيا في الميدان؟ كيف يُنسّق مع الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة؟ وكيف تُترجم الجاهزية العسكرية إلى استقرار فعلي على الأرض؟
عيون تراقب
مشهد الاصطفاف يجيب جزئيًا. التدريب لا يبدو عرضيًا، والمعدات ليست للزينة، والرسائل ليست موجهة للصومال وحده. إسرائيل تراقب، إثيوبيا تحسب، وقوى أخرى في البحر الأحمر تقرأ الإشارات بعناية. مصر تقول إنها حاضرة، قادرة، ومستعدة لتحمل تبعات حضورها.
مع غروب شمس الأربعاء، تنتهي مراسم العرض، لكن السياسة تبدأ من جديد. القوات ستتحرك قريبًا، والملف الصومالي سيبقى اختبارًا لمدى قدرة القاهرة على تحويل قوتها العسكرية إلى نفوذ استراتيجي مستدام. بين ساحة الاصطفاف وموانئ مقديشو، تتشكل معادلة جديدة عنوانها أن الأمن في القرن الإفريقي لم يعد شأنًا محليًا، بل جزء من أمن مصر نفسه
مصر من الاصطفاف إلى النفوز لترسم قواعد اللعبة في مقديشو


