التحرش الجنسي… حين يُغتال الأمان وتُختبر إنسانية المجتمع
بقلم: حسام النوام
لم يعد التحرش الجنسي مجرد حادثة فردية عابرة، ولا يمكن اعتباره سلوكًا شاذًا معزولًا عن سياقه الاجتماعي، بل أصبح مؤشرًا خطيرًا على خلل عميق في منظومة القيم، والتربية، والوعي، بل وفي مفهوم الإنسان لحدود إنسانيته ذاتها. فحين يشعر فرد ما بأنه يمتلك الحق في انتهاك خصوصية الآخر، لفظًا أو جسدًا أو حتى بنظرة تحمل الإهانة، فإننا لا نكون أمام جريمة فقط، بل أمام أزمة مجتمع بأكمله.
التحرش الجنسي ليس كلمة تُقال أو فعلًا يُرتكب وينتهي أثره، بل هو جرح نفسي يترك ندوبًا غير مرئية، قد تستمر سنوات طويلة. إنه اعتداء على الكرامة قبل أن يكون اعتداءً على الجسد، وانتهاك للأمان قبل أن يكون انتهاكًا للمساحة الشخصية. والأخطر من ذلك، أن هذا السلوك لم يعد يُمارس في الخفاء فقط، بل أصبح يحدث أحيانًا في وضح النهار، وأمام أعين مجتمع قد يصمت، أو يتجاهل، أو يكتفي بدور المتفرج.
لقد شهدت السنوات الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في الحديث عن التحرش، ليس فقط بسبب زيادة حدوثه، بل لأن الضحايا لم يعدن يقبلن بالصمت. لقد كُسر حاجز الخوف، وبدأت الحقيقة تظهر إلى النور، لتكشف حجم معاناة كانت مختبئة خلف جدران الصمت، والخجل، والخوف من نظرة المجتمع.
لكن السؤال الأهم ليس فقط: لماذا يحدث التحرش؟ بل لماذا يستمر؟ وكيف وصل الأمر إلى أن يرتكب هذا الفعل أشخاص في كامل نضجهم، بل وأحيانًا رجال في سن متقدمة، يفترض أنهم أكثر وعيًا وخبرة بالحياة؟
الإجابة تكمن في مجموعة من العوامل المتشابكة، تبدأ من التربية، ولا تنتهي عند التأثيرات الثقافية والإعلامية الحديثة.
فالتربية التي لا تغرس في الطفل احترام الآخر، ولا تعلّمه أن للإنسان حدودًا مقدسة لا يجوز تجاوزها، تترك فراغًا أخلاقيًا قد يتحول مع الوقت إلى سلوك منحرف. كما أن بعض البيئات التي تتسامح مع الألفاظ المسيئة، أو تبرر السلوكيات المتجاوزة باعتبارها “مزاحًا”، تساهم دون وعي في خلق ثقافة تتسامح مع التحرش، أو تقلل من خطورته.
السوشيال ميديا والدراما… حين يُقدَّم الانتهاك في صورة عادية
في عصر أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي والأفلام والمسلسلات جزءًا من التكوين اليومي للوعي، لم يعد تأثيرها مجرد ترفيه، بل تحول إلى عامل مباشر في تشكيل السلوك والتصورات. والخطورة لا تكمن فقط في عرض سلوكيات سلبية، بل في طريقة تقديمها، خاصة عندما يظهر التحرش في إطار كوميدي، أو يُطرح على أنه موقف ساخر يثير الضحك بدلًا من الرفض.
حين يشاهد المتلقي مشهدًا يتحرش فيه شخص بامرأة، ويُقابل ذلك بالموسيقى الكوميدية أو بتفاعل ساخر، فإن الرسالة غير المباشرة التي تصل إليه هي أن هذا الفعل يمكن التعامل معه باعتباره أمرًا عاديًا أو موقفًا يمكن تجاوزه. ومع التكرار، يحدث ما يمكن وصفه بـ”تطبيع السلوك”، حيث يفقد المجتمع تدريجيًا حساسيته تجاه خطورة الفعل.
كما أن بعض المحتوى الرقمي الحديث، بما يحمله من إيحاءات لفظية وبصرية، يساهم في ترسيخ نظرة سطحية للمرأة، وتحويلها من إنسان له كرامة وحقوق إلى مجرد موضوع للتعليق أو التقييم. هذه الرسائل المتكررة، خاصة لدى الشباب، تساهم في تشكيل وعي مشوه، يجعل البعض يفقد القدرة على إدراك الحدود الفاصلة بين الاحترام والانتهاك.
سؤال صادم: كيف يتحول إنسان ناضج إلى متحرش؟
الأمر الأكثر إثارة للقلق، أن التحرش لا يصدر فقط عن مراهقين أو صغار السن، بل يحدث أحيانًا من رجال ناضجين، بل وحتى كبار في السن. وهو ما يطرح تساؤلًا جوهريًا: كيف يمكن لإنسان عاش سنوات طويلة، واكتسب خبرات حياتية، أن يرتكب فعلًا كهذا؟
الإجابة لا تتعلق بالعمر، بل بالتكوين. فالنضج الحقيقي ليس بعدد السنوات، بل بمنظومة القيم التي تشكل ضمير الإنسان. بعض المتحرشين نشأوا في بيئات لم تغرس فيهم احترام الآخر، أو سمحت لهم بممارسة سلوكيات خاطئة دون ردع، مما خلق لديهم شعورًا زائفًا بأن هذا الفعل يمكن ممارسته دون عواقب.
وفي حالات أخرى، يكون الدافع نفسيًا، مرتبطًا بالشعور بالضعف الداخلي، أو بالرغبة في فرض السيطرة وإثبات القوة. فالتحرش، في كثير من الأحيان، لا يكون تعبيرًا عن رغبة بقدر ما يكون تعبيرًا عن خلل في الشخصية، وعن غياب الضمير الأخلاقي.
كما أن التعرض المستمر لمحتوى يحمل إيحاءات أو يقلل من خطورة الانتهاك، دون وجود وعي نقدي، يؤدي إلى ما يمكن وصفه بتآكل الحس الأخلاقي، حيث يفقد الفرد تدريجيًا إدراكه لخطورة ما يفعل، ويتحول الفعل في وعيه إلى سلوك عادي، رغم كونه جريمة كاملة الأركان.
وفي قلب هذه الظاهرة، تقف الضحية، تحمل عبء تجربة لم تخترها، وتعاني من آثار نفسية قد تشمل الخوف، وفقدان الثقة، والقلق، وربما الاكتئاب. بعض الضحايا يغيرن مسار حياتهن بالكامل، فيتجنبن أماكن، أو فرصًا، أو حتى أحلامًا، فقط لتجنب تكرار التجربة.
والأكثر ألمًا، أن بعض الضحايا يُواجهن بأسئلة تحمل اتهامًا مبطنًا بدلًا من الدعم، وهي ثقافة تحتاج إلى مراجعة جذرية، لأن المسؤولية لا تقع أبدًا على الضحية، بل على الجاني وحده.
إن مواجهة ظاهرة التحرش لا يمكن أن تعتمد على القانون وحده، رغم أهميته. فالقانون هو أداة ردع، لكنه لا يستطيع وحده بناء الضمير. المواجهة الحقيقية تبدأ من التربية، من الأسرة التي تعلم أبناءها احترام الآخر، ومن المدرسة التي تغرس القيم، ومن الإعلام الذي يتحمل مسؤوليته في تقديم محتوى يحترم الإنسان بدلًا من تشويه وعيه.
كما أن المجتمع ككل يجب أن يتحمل مسؤوليته، برفضه الصريح لهذا السلوك، ودعمه للضحايا، وعدم تبريره أو التقليل من شأنه. فالصمت ليس حيادًا، بل مساحة تسمح للجريمة بالاستمرار.
في النهاية، تبقى الحقيقة الأهم: التحرش ليس مجرد جريمة ضد فرد، بل هو جريمة ضد المجتمع كله. ومواجهته ليست مسؤولية الضحية، بل مسؤولية الجميع.
فالمجتمع الذي لا يحمي كرامة أفراده، يفقد جزءًا من إنسانيته.
والمجتمع الذي يرفض التحرش، لا يحمي الضحايا فقط، بل يحمي مستقبله كله.
التحرش الجنسي… حين يُغتال الأمان وتُختبر إنسانية المجتمع
