حين تتغير الملامح من الداخل قبل الخارج
بقلم/نشأت البسيوني
يمر الإنسان أحيانا بفترات يظن فيها أن التغيير يجب أن يظهر على ملامحه على شكله على تعابيره على صوته لكنه لا يدرك أن أعظم التغيرات تبدأ من مكان لا يرى من الداخل من تلك المنطقة الصامتة التي لا يقترب منها أحد والتي تخزن كل ما مر به من خيبات وصدمات وانكسارات وانتصارات صغيرة لم يشعر بها سوى روحه
في لحظة ما يبدأ الداخل بالتبدل دون سابق إنذار يتغير شعورك
تجاه الأشياء التي كنت تتمسك بها بقوة يتغير رأيك في الأشخاص الذين ظننت أن بقاءهم ضروري يتغير إحساسك بالطرق التي كانت تبدو لك ثابتة يتغير كل شيء بطريقة هادئة تشبه إعادة بناء كاملة داخل القلب دون أن تعلن شيئا للخارج ومع هذا التحول يبدأ الإنسان يفقد اهتمامه بما كان يشغله سابقاً يفقد انزعاجه من أمور كانت توتره يفقد تعلقه بأماكن كانت تستهلكه يفقد حاجته لإثبات
نفسه لمن لا يفهمه ويبدأ يشعر بأن قيمته ليست في عدد الأشخاص حوله ولا فيما يملكه ولا في حجم ما يعطيه بل في صفاء داخله وفي الحقيقة التي يحملها رغم كل ما مر به ومع الأيام يتعمق هذا التغيير يصبح أكثر وضوحاً في اختياراته أكثر هدوءا في ردوده أكثر نضجا في علاقاته أكثر حذراً تجاه من يدخل عالمه وأكثر حرصا على حماية ما تبقى من قلبه لا يبحث عن ضجيج لا يلهث
خلف اهتمام لا يتشبث بأحد لا ينتظر اعتذارا ولا تفسيرا فقط يسير بثبات نحو كل ما يمنحه راحة حقيقية لا زائفة وفي هذه المرحلة تبدأ الملامح الخارجية بالتغير تلقائياً دون جهد لا لأن الوجه تغير فعليا بل لأن الروح أصبحت أخف وأصفى وأكثر صدقا مع نفسها فينعكس ذلك على النظرة على الابتسامة على طريقة الوقوف وحتى على الصمت يصبح فيك شيء هادئ لا يفهمه إلا من اقترب
منك كثيرا شيء لا يشترى ولا يتعلم بل يولد من عمق التجارب
يدرك الإنسان أن التغيير الحقيقي لا يحدث حين يقرر أن يبدو مختلفا بل حين يصبح مختلفا من الداخل حين يتغير وعيه ونظرته وقلبه حين يتخلص من أعباء حملها لسنوات دون سبب حين يغفر لنفسه أخطاءها وحين يعترف أخيرا أن ما يستحقه في الحياة لن يأتيه بالقوة بل بالصفاء
حين تتغير الملامح من الداخل قبل الخارج


