الرئيسيةمقالاتالأخلاق العالية الرفيعة والوزير ابن هبيرة
مقالات

الأخلاق العالية الرفيعة والوزير ابن هبيرة

الأخلاق العالية الرفيعة والوزير ابن هبيرة

الأخلاق العالية الرفيعة والوزير ابن هبيرة

بقلم / محمـــد الدكـــروري

لقد نال العالم الوزير ابن هبيرة العلم والفقه والوزارة معا، وكان له مجلس حافل بالعلماء من أرباب المذاهب الأربعة، وبينما هو في مجلسه إذ ذكر مسألة من مفردات الإمام أحمد بن حنبل، ويعني أن الإمام أحمد تفرد في هذه المسألة عن الأئمة الثلاثة الشافعي ومالك وأبي حنيفة، فقام فقيه من فقهاء المالكية يقال له أبو محمد الأشيري فقال بل قال بهذا الإمام مالك، فقال ابن هبيرة رحمه الله ” هذه الكتب ” وأحضرها، وإذا هي تنص على أن هذه المسألة من مفردات الإمام أحمد، فقال أبو محمد الأشيري بل قال بذلك الإمام مالك، فتكلم العلماء الذين حضروا هذا المجلس فقالوا بل هي من مفردات الإمام أحمد، قال بل قال بذلك الإمام مالك، فغضب ابن هبيرة وقال أبهيمة أنت؟ أما تسمع هؤلاء العلماء يصرحون بأنها من مفردات الإمام أحمد، والكتب شاهدة بذلك. 

ثم أنت تصر على قولك، فتفرق المجلس، فهب أنك في هذا المجلس، وهب أنك أحد الطرفين في مكان ابن هبيرة، أو في مكان الأشيري، فما هو في مجلس علماء، لو كنت أنت وهذا الإنسان وليس معكما ثالث، وقال لك أبهيمة أنت هل ستلقاه بعدها؟ هل ستأتي إلى مجلسه وتحضر معه؟ ثم لو قال لك ذلك أمام الآخرين هل تنام تلك الليلة؟ هل تفكر بالرجوع إليه؟ فلما إنعقد المجلس في اليوم الثاني جاء الفقيه المالكي وحضر كأن شيئا لم يكن، وجاء ابن هبيرة، وجاء العلماء، فأراد القارئ على عادته أن يقرأ ثم يعلق الوزير ابن هبيرة، فقال له قف، فإن الفقيه الأشيري قد بدر منه ما بدر بالأمس، وحملني ذلك على أن قلت له ما قلت، فليقل لي كما قلت له، فلست بخير منكم ولا أنا إلا كأحدكم، فكيف كان أثر هذه الكلمات؟ وهي بالمجّان لا نخسر عليها شيئا، فتجاوز هذه النفس وتغلب عليها” 

فضج المجلس بالبكاء، وتأثروا جدا من هذه الأخلاق العالية الرفيعة، وإرتفعت الأصوات بالدعاء والثناء وجعل هذا الخصم الأشيري يعتذر ويقول أنا المذنب، أنا الأولى بالإعتذار، والوزير ابن هبيرة يقول القصاص القصاص، فتوقف أحد العلماء وقال يا مولانا إذا أبى القصاص فالفداء، فقال الوزير له حكمه يحكم بما شاء، احكم بما تريد، فقال هذا الفقيه نعمك علي كثيرة فأي حكم بقي لي، فقال قد جعل الله لك الحكم علينا بما ألجأتنا به إلى الافتيات عليك، فقال عليّ بقية دين منذ كنت بالشام، فقال الوزير ابن هبيرة يعطى مئة دينار لإبراء ذمته وذمتي، فأحضر له المال، وقال له ابن هبيرة عفا الله عنك وعني، وغفر الله لك ولي” فهل نحن كذلك؟ فإذا كنا في مجلس وحصلت قضية مثل هذه كيف ستكون نتائجها؟ وهو عداوة إلى يوم الدين، وقلب يتقطع، ونفس حرقاء حراء على هذا الإنسان. 

فنسأل الله العافية، فإنها كلمات لم يخسر فيها شيئا بل إزداد رفعة، ونحن نتحدث عنها بعد قرون وبعد مئات السنين، ولو أنه بقي مع نفسه فكيف سيكون حال هذه الصلة والعلاقة، وإعلموا يرحمكم الله أن الإبتسامة على الوجه الطلق لتعمل عمل السحر، فحاول أخي الكريم أن تلقى الناس بوجه طلق وعلى فمك ابتسامة مشرقة، ولن تندم على التجربة أبدا، فإنها لتستطيع وحدها، نعم وحدها، أن تفتح مغاليق النفوس، وتنفذ إلى الأعماق، لتنفذ إلى القلب، إلى الطاقة المكنونة في الكيان البشري، فتربط بينها وبينك برباط الجاذبية، ومن الأمثلة على نفع الناس ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما قال إن رجلا جاء إلى النبي صلي الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أي الناس أحب إلى الله تعالى؟ وأي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم.

“أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى اللّه تعالى سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إليّ من أن أعتكف في هذا المسجد ويعني مسجد المدينة شهرا” وغير ذلك كثير في السنة.

الأخلاق العالية الرفيعة والوزير ابن هبيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *