كتب: محمد عابدين الرُعمي
لم يعد الحق في الرعاية الصحية مجرد مطلب اجتماعي أو شعار إنساني ترفعه المجتمعات الحديثة، بل أصبح حقًا أصيلًا من حقوق الإنسان الأساسية التي تكفلها الدساتير والقوانين في مختلف دول العالم. وفي مصر، جاء الدستور ليضع هذا الحق في مكانه الطبيعي كأحد أهم ركائز العدالة الاجتماعية، مؤكدًا أن صحة المواطن ليست امتيازًا لفئة دون أخرى، بل حق لكل مصري تكفله الدولة وتلتزم بتوفيره.
ينص الدستور المصري بوضوح على أن لكل مواطن الحق في الصحة وفي الرعاية الصحية المتكاملة وفقًا لمعايير الجودة، وهو نص يعكس إدراك الدولة لأهمية بناء منظومة صحية عادلة تضمن العلاج والرعاية لجميع المواطنين دون تمييز. ويؤكد الدستور كذلك التزام الدولة بالحفاظ على مرافق الخدمات الصحية العامة ودعمها والعمل على رفع كفاءتها وانتشارها الجغرافي بشكل عادل يضمن وصول الخدمة الصحية لكل مواطن في القرى والمدن على حد سواء.
ويكتسب هذا النص الدستوري أهمية خاصة في ظل التحديات الصحية المتزايدة التي تواجه المجتمعات المعاصرة، سواء كانت أمراضًا مزمنة أو أوبئة عالمية أو ضغوطًا اقتصادية تؤثر على قدرة الأفراد في الحصول على العلاج. لذلك لم يكتف الدستور بإقرار الحق في العلاج فقط، بل ألزم الدولة بإقامة نظام تأمين صحي شامل يغطي جميع المصريين، بما يضمن حصول المواطن على العلاج دون أن تتحول تكلفة المرض إلى عبء اقتصادي يهدد استقرار الأسرة.
كما نص الدستور على تخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للصحة لا تقل عن 3% من الناتج القومي الإجمالي، على أن ترتفع تدريجيًا بما يتوافق مع المعدلات العالمية. ويعكس هذا الالتزام الدستوري إدراكًا واضحًا بأن تطوير القطاع الصحي لا يمكن أن يتحقق دون توفير الموارد المالية اللازمة لتحديث المستشفيات، وتوفير الأجهزة الطبية، وتحسين أوضاع الأطباء وأطقم التمريض، ورفع جودة الخدمات المقدمة للمرضى.
ولا يقتصر الحق في الرعاية الصحية على العلاج فقط، بل يمتد ليشمل الوقاية من الأمراض، ونشر التوعية الصحية بين المواطنين، وتوفير بيئة صحية سليمة، ومراقبة جودة الغذاء والدواء. فالصحة مفهوم شامل يبدأ من الوقاية قبل العلاج، وهو ما يتطلب سياسات متكاملة تشارك فيها مؤسسات الدولة كافة، من التعليم والإعلام إلى الجهات الرقابية والصحية.
ومن بين أهم المبادئ التي أكد عليها الدستور كذلك تجريم الامتناع عن تقديم العلاج بأشكاله المختلفة لكل إنسان في حالات الطوارئ أو الخطر على الحياة. فالحياة الإنسانية لها قدسية لا يمكن التفريط فيها، ويجب أن تظل المؤسسات الطبية، الحكومية والخاصة، ملاذًا آمنًا لكل مريض يحتاج إلى تدخل طبي عاجل.
ورغم الجهود التي تبذلها الدولة لتطوير المنظومة الصحية، فإن الطريق ما زال يتطلب مزيدًا من العمل والتعاون بين الحكومة والمجتمع المدني والقطاع الخاص، لضمان ترجمة النصوص الدستورية إلى واقع ملموس يشعر به المواطن في حياته اليومية. فالمستشفيات تحتاج إلى دعم مستمر، والكوادر الطبية تحتاج إلى تدريب وتحفيز، كما يحتاج المواطن إلى نظام صحي يضمن له العلاج الكريم دون معاناة أو انتظار طويل.
إن الحق في الرعاية الصحية ليس فقط نصًا دستوريًا، بل هو معيار حقيقي لمدى تقدم المجتمعات واحترامها لكرامة الإنسان. وكلما نجحت الدولة في توفير علاج لائق وخدمة صحية عادلة لجميع المواطنين، فإنها بذلك ترسخ أحد أهم مبادئ العدالة الاجتماعية وتؤسس لمجتمع أكثر استقرارًا وإنسانية.
وفي النهاية، يبقى الدستور المصري وثيقة أساسية تضع صحة المواطن في مقدمة أولويات الدولة، وتؤكد أن بناء الإنسان المصري يبدأ من حمايته صحيًا وضمان حصوله على العلاج والرعاية الطبية دون تمييز. فالصحة ليست رفاهية، بل حق أصيل لا يكتمل بناء الوطن إلا بحمايته وصيانته.


