الغلاء ونقص تدفق المساعدات يضغطان على حياة الغزيين
عبده الشربيني حمام
للمرة الأولى منذ سنوات، يبدو ليل غزة أقل ضجيجًا، بالتزامن مع انخفاض أزيز الطائرات المسيّرة الإسرائيلية، التي تراجع حضورها النسبي في ظل انشغال إسرائيل بحربها مع إيران.
ورغم الهدوء النسبي الذي يشهده القطاع، لم تتوقف الضربات الإسرائيلية على بعض المناطق، كما لم يدخل القطاع مرحلة تعافٍ حقيقية تعقب انتهاء كامل الأعمال العسكرية، بل انتقل إلى نمط آخر من الضغط اليومي، عنوانه الغلاء، وتأخر الرواتب، وتآكل القدرة الشرائية إلى مستويات غير مسبوقة منذ بدء الحرب.
وتقول مصادر في غزة إن تدفق الإمدادات بقي محدودًا وغير منتظم، رغم إعادة فتح معبر كرم أبو سالم بصورة جزئية اعتبارًا من 3 مارس/آذار، بعد إغلاق شامل فُرض مع بداية التصعيد الإقليمي في 28 فبراير/شباط.
وتشير معطيات أممية إلى أن عدد الشاحنات الإنسانية التي تدخل القطاع يوميًا لا يزال دون الحد الأدنى المطلوب، فيما يبقى معبر رفح مغلقًا أمام الإجلاءات الطبية، ما يترك آلاف المرضى من دون مسار واضح للعلاج خارج القطاع.
وأدى هذا الاختناق في سلاسل التوريد إلى ارتفاع جديد في أسعار السلع الأساسية، الغذائية منها وغير الغذائية، داخل أسواق كانت أصلًا تعاني من هشاشة شديدة ونقص مزمن في المعروض.
وبحسب تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، بلغ مؤشر أسعار المستهلك في غزة خلال فبراير/شباط نحو 146 بالمئة من خط الأساس لما قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وتوضح المنظمات الدولية أن الأزمة في غزة لم تعد تُقاس فقط بوجود السلع أو غيابها، بل بقدرة الناس على الوصول إليها بأسعار يمكن احتمالها. وحتى حين تتوفر بعض المواد في الأسواق، فإن كثيرًا من الأسر تنظر إليها بوصفها معروضة للبيع أكثر مما هي متاحة فعليًا للشراء.
ويتقاطع هذا الغلاء مع أزمة سيولة تقوّض ما تبقى من قدرة العائلات على الصمود. فالمساعدات النقدية والتحويلات المالية لا تصل إلى قيمتها الفعلية كاملة، بسبب استمرار عمولات السحب النقدي عند مستويات مرتفعة تراوحت في أواخر فبراير/شباط بين 12 و14 بالمئة، مع مؤشرات على زيادة إضافية مع موجة الإغلاق الأخيرة. وهذا يعني أن أي مبلغ يصل إلى الأسرة يفقد جزءًا من قيمته قبل أن يتحول إلى غذاء أو دواء أو احتياجات أساسية.
وتقول مصادر محلية داخل غزة إن التأخير المستمر في صرف الرواتب والمعاشات بات من أكثر العوامل ضغطًا على الحياة اليومية للسكان. ويعيش الموظفون حالة من الغموض بشأن موعد صرف مستحقاتهم وحجم ما سيُدفع منها، ما يترك آلاف الأسر بلا مورد مالي ثابت، ويدفع كثيرين إلى الاستدانة أو تقليص إنفاقهم إلى الحدود الدنيا، في ظل اقتصاد محلي شبه معطّل لا يوفر بدائل حقيقية للدخل.
ويزداد المشهد تعقيدًا مع تراجع قدرة منظومة الإغاثة نفسها على التعويض. ففي فبراير/شباط، وصل الشركاء الإنسانيون إلى نحو 1.2 مليون شخص بحصص غذائية مخفضة لا تغطي سوى 50 بالمئة من الحد الأدنى للاحتياجات الحرارية اليومية، مقارنة بنحو 1.6 مليون شخص حصلوا على حصص كاملة في يناير/كانون الثاني.
كما قالت منظمة الصحة العالمية إن المخزون الطبي في غزة وصل إلى مستويات حرجة للغاية، مع نفاد بعض المستلزمات الأساسية واستمرار الضغط على القطاع الصحي.
وفي موازاة ذلك، تتعمق حالة الإحباط مع تعثر المسارات السياسية والإنسانية المرتبطة بمرحلة ما بعد الحرب. فبعد أقل من شهر على إعلان واشنطن حصولها على تعهدات بأكثر من 5 مليارات دولار لإعادة إعمار غزة والجهود الإنسانية، نقلت رويترز أن المحادثات المتعلقة بالخطة الأميركية بشأن القطاع توقفت منذ اندلاع الحرب مع إيران.
كما أن ملفات ما بعد الحرب، بما فيها الترتيبات السياسية والأمنية، باتت مؤجلة في ظل انشغال الوسطاء وتقلص حركة التنقل الإقليمي، إلى جانب اختناقات أصابت مسارات المساعدات الجوية والبرية والبحرية، وأدت إلى تأخير شحنات مخصصة للقطاع وارتفاع تكاليف التشغيل.
وبذلك، يجد الغزيون أنفسهم عالقين في واقع لا هو انفراج ولا هو نهاية فعلية للأزمة. فالقصف تراجع نسبيًا لكنه لم يتوقف، والمعابر فُتحت جزئيًا لكنها لا تكفي، والمساعدات مستمرة لكنها محدودة، والرواتب مستحقة لكنها لا تصل بانتظام.
وفي ظل غياب أفق سياسي واضح، تتحول هذه العناصر مجتمعة إلى مصدر يومي للضغط والعجز والإحباط داخل مجتمع أنهكته الحرب ولم يبدأ بعد أي تعافٍ حقيقي.

