بين الأمس واليوم… الأب الذي لا يغيب
بقلم : وليد وجدى
في لحظة تأمل صادقة، يقف الإنسان أمام نفسه متسائلًا: أين أنا الآن من حياتي الماضية؟ وأين ذهبت تلك الأيام التي كانت تحمل بين طياتها مزيجًا من الحلو والمر، لكنها رغم كل شيء كانت مليئة بالمعنى في أدق تفاصيلها؟
تمر السنوات سريعًا، وكأنها لحظات عابرة، تحمل معها ذكريات الطفولة البريئة، حيث كان اللعب واللهو عنوانًا رئيسيًا للحياة، لا يشوبه قلق ولا تثقله مسؤوليات. كانت أيامًا بسيطة، لكنها عميقة الأثر، صنعت داخلنا إحساس الأمان والانتماء.
وفي قلب تلك الذكريات، يظل الأب حاضرًا كرمزٍ لا يتكرر… سندًا وقدوة، يحمل أعباء الحياة بصمت، ويمنح أسرته قوةً لا تُرى ولكن تُشعر في كل لحظة. كان الحامي، وكان الظهر الذي لا يميل، وكان الأمان الذي لا يُستبدل.
أما الأم، فهي الحكاية التي تعجز الكلمات عن وصفها، والنبع الذي لا ينضب من الحنان والعطاء. مهما قيل فيها من عبارات، تظل الحقيقة أكبر من كل وصف… فهي الحياة بكل ما فيها.
ومع مرور الزمن، تتغير الملامح، وتتلاشى التفاصيل، لكن تبقى بعض الحقائق ثابتة لا تتبدل… وأهمها أن فقدان الأب ليس نهاية الحكاية، بل بداية مرحلة جديدة نحمل فيها ما زرعه فينا.
برحيل الأب، لا ترحل القيم… بل تبقى حاضرة بين أبنائه، تتحول إلى رابط قوي يجمعهم، وإلى ميثاق غير مكتوب يجعلهم يدًا واحدة، وقلبًا واحدًا. وهنا تتجلى عظمة الأثر الذي يتركه الأب، حين يرحل الجسد وتبقى الروح في هيئة مبادئ وأخلاق.
لقد رحل صاحب الرحلة الجميلة، لكنه ترك خلفه إرثًا لا يُقدّر بثمن… ترك إخوة لا يفرقهم شيء، تجمعهم المحبة، وتوحدهم الذكريات، وتسندهم القيم التي غرسها فيهم.
فهنيئًا لك يا أبي الجنة، بما قدمت وبما زرعت فينا من خير، وهنيئًا لنا تلك المحبة التي تركتها بيننا، لتكون السند بعدك، والنور في طريقنا.
رحمك الله رحمةً واسعة، وجعل ذكراك الطيبة حياةً في قلوبنا، وجمعنا بك في جنات النعيم.
بين الأمس واليوم… الأب الذي لا يغيب


