كتب: ضاحى عمار
ترسم الحرب على إيران ملامح اضطراب غير مسبوق في أسواق الطاقة العالمية، حيث لم يعد ارتفاع أسعار النفط وحده مؤشرًا على الانتعاش، بل تحول إلى عبء مركب يضغط على شركات الخدمات النفطية ويهدد استقرار سلاسل الإمداد الغذائي حول العالم، في مشهد يعكس تعقيدات جيوسياسية تتجاوز حدود ساحات القتال إلى أعماق الاقتصاد الدولي.
وتتجلى المفارقة بوضوح في قفز أسعار خام برنت إلى مستويات تتجاوز 110 دولارات للبرميل، مدفوعة بمخاوف تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، الذي يمثل شريانًا حيويًا يمر من خلاله نحو 20% من تجارة النفط العالمية. ورغم هذا الصعود، فإن شركات خدمات الحقول النفطية لم تجنِ الثمار المتوقعة، بل وجدت نفسها أمام تحديات تشغيلية متصاعدة، بسبب المخاطر الأمنية وارتفاع تكاليف التأمين والنقل.
مصادر في قطاع الطاقة أكدت أن حالة الترقب تسيطر على كبار المنتجين، ما أدى إلى تباطؤ واضح في إطلاق مشروعات الحفر والاستكشاف، خاصة في منطقة الخليج. وتشير التقديرات إلى تراجع عدد الحفارات البحرية بشكل ملحوظ خلال الأسابيع الأخيرة، وهو ما يعكس حالة الحذر التي تفرضها الأوضاع الأمنية غير المستقرة، في وقت تتزايد فيه احتمالات استهداف البنية التحتية النفطية.
اللواء يونس السبكي، الخبير الاستراتيجي، يرى أن ما يحدث حاليًا يمثل حرب استنزاف اقتصادية غير تقليدية، موضحًا أن الصراع لم يعد عسكريًا فقط، بل امتد ليضرب مفاصل الاقتصاد العالمي، خاصة في قطاع الطاقة. وأضاف أن التهديدات المتكررة لمضيق هرمز ترفع من كلفة المخاطر، وتجبر الشركات على تقليص أنشطتها أو إعادة تقييم استثماراتها، وهو ما يفسر التراجع الملحوظ في عمليات التشغيل.
من جانبه، يؤكد المستشار السياسي طارق الهواري، أمين التواصل السياسي بحزب الغد، أن التداعيات لا تقف عند حدود الطاقة، بل تمتد إلى الأمن الغذائي العالمي، مشيرًا إلى أن ارتفاع أسعار الوقود ينعكس مباشرة على تكاليف النقل والإنتاج الزراعي، ما يؤدي إلى موجة تضخم تضرب الدول الأكثر هشاشة. وأضاف أن الأزمة الحالية قد تعيد تشكيل خريطة التحالفات الاقتصادية، مع سعي الدول الكبرى لتأمين مصادر بديلة للطاقة.
وفي هذا السياق، حذرت تقارير دولية من أن استمرار التوترات في الخليج قد يؤدي إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، خاصة مع اعتماد العديد من الدول على استيراد الحبوب والسلع الأساسية عبر ممرات بحرية مهددة. ويؤدي ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين إلى زيادة أسعار الغذاء، وهو ما ينذر بتفاقم معدلات الجوع في مناطق تعاني أصلًا من أزمات اقتصادية.
كما بدأت الأسواق الاستهلاكية تشعر بوطأة الأزمة، حيث سجلت بعض الدول الأوروبية نقصًا مؤقتًا في الوقود نتيجة زيادة الطلب وتخوف المستهلكين من انقطاع الإمدادات. ويعكس هذا السلوك حالة القلق التي تسيطر على الأسواق، والتي قد تؤدي إلى موجات شراء هستيرية تزيد من تعقيد المشهد.
خبراء اقتصاد يرون أن شركات الخدمات النفطية تواجه ضغوطًا مزدوجة، تتمثل في تراجع الطلب على خدماتها من جهة، وارتفاع تكاليف التشغيل من جهة أخرى. وقد اضطرت بعض الشركات إلى تعليق أعمالها أو إجلاء موظفيها من مناطق التوتر، ما يفاقم من خسائرها على المدى القصير.
ورغم الصورة القاتمة، فإن بعض التقديرات تشير إلى أن مرحلة ما بعد الحرب قد تحمل فرصًا واعدة، خاصة في مجال إعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة، والتي قد تتطلب استثمارات ضخمة. إلا أن هذه الفرص تظل مرهونة بمدى سرعة استقرار الأوضاع الأمنية، وعودة الثقة إلى الأسواق.
تكشف الحرب على إيران عن واقع اقتصادي شديد التعقيد، حيث تتداخل العوامل السياسية والأمنية مع الحسابات الاقتصادية، لتنتج أزمة متعددة الأبعاد تهدد استقرار الطاقة والغذاء على حد سواء، وتضع العالم أمام اختبار حقيقي لقدرة الأنظمة الدولية على احتواء تداعيات الصراعات الكبرى.


