بقلم: وائل عباس
في خضم التصعيد العسكري المتسارع في المنطقة ، تبدو الحرب على إيران كاشفة لا فقط لموازين القوة ، بل أيضًا لحجم الخلل الاستراتيجي العربي الذي تراكم عبر سنوات من التردد والانقسام ؛ فبينما تتساقط الصواريخ وتُستهدف منشآت الطاقة الحيوية ، يعود السؤال الأهم إلى الواجهة :
هل كان يمكن تفادي هذا المشهد لو استجابت الدول العربية مبكرًا لدعوات بناء قوة عربية مشتركة … ؟؟؟
لقد حذّرت القاهرة مرارًا ، من خطورة ترك الأمن القومي العربي رهينة للتحالفات الخارجية أو الحسابات الضيقة ؛ ولم تكن الدعوة إلى إنشاء جيش عربي موحد مجرد رفاهية سياسية ، بل كانت قراءة استباقية لمشهد إقليمي يتجه نحو الانفجار واليوم ومع اشتعال الحرب ، تدفع بعض الدول العربية ثمن غياب هذا المشروع ، بعدما وجدت نفسها في مواجهة تهديدات مباشرة دون مظلة دفاعية جماعية حقيقية.
مصر بين المسؤولية والحسابات الواقعية
الموقف المصري من الحرب لم يكن يومًا غامضًا ؛ فقد أدانت القاهرة الهجمات على دول الخليج بشكل واضح ، وأكدت تضامنها الكامل مع الأشقاء ، لكنها في الوقت ذاته رفضت الإنخراط في تحالف عسكري مباشر ، مفضلة مسار التهدئة والدبلوماسية .
هذا التوازن لم يأتِ من فراغ ، بل من إدراك عميق بأن توسيع دائرة الحرب سيجر المنطقة إلى فوضى شاملة ، خاصة مع تهديدات تمس الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة العالمية .
وفي الوقت الذي تصاعدت فيه أصوات لوم مصر لعدم تدخلها عسكريًا ، كانت القاهرة تتحرك على الأرض في اتجاه مختلف :
فتح قنوات اتصال ، وقيادة جهود الوساطة ، والسعي لوقف التصعيد ؛ بل وأبدت أستعدادها لأستضافة مفاوضات دولية لإنهاء الأزمة ، في تأكيد واضح على دورها كركيزة استقرار إقليمي .
خلاف عربي … أم أزمة ثقة …؟؟؟
الحرب كشفت كذلك عن تباين حاد في المواقف العربية ؛ فبينما تبنت بعض دول الخليج نهجًا أكثر تشددًا ، فضّلت مصر خيار الاحتواء السياسي ، ما أدى إلى توتر غير معلن في العلاقات بين بعض الأطراف .
هذا التباين يعكس أزمة أعمق من مجرد اختلاف تكتيكي ؛ إنه غياب لرؤية عربية موحدة في التعامل مع التهديدات الكبرى.
والأخطر أن بعض الأصوات التي كانت ترفض فكرة القوة العربية المشتركة ، عادت اليوم لتطالب بالدعم العسكري من القاهرة ، دون أن تكون قد استثمرت سابقًا في بناء منظومة دفاع جماعي حقيقية .
تداعيات تتجاوز ساحة المعركة
الحرب على إيران لم تبقَ داخل حدودها ؛ بل امتدت تداعياتها إلى الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة ، مع تهديد منشآت النفط وخطوط الملاحة الحيوية .
كما أن احتمالات توسع الصراع إلى البحر الأحمر أو مضيق باب المندب تضع المنطقة بأكملها أمام سيناريوهات كارثية قد تؤثر على التجارة الدولية بأسرها.
وفي الداخل العربي تتزايد المخاوف من ارتدادات أمنية واقتصادية ، خاصة في ظل اعتماد كثير من الدول على الإستقرار الإقليمي لضمان استمرار تدفقات الإستثمار والطاقة .
الدرس الغائب
ما يحدث اليوم ليس مجرد حرب عابرة ، بل اختبار قاسٍ لفكرة الأمن القومي العربي ! فالدول التي لم تستثمر في بناء قوتها الذاتية أو في شراكات عربية حقيقية ، تجد نفسها الآن في موقف دفاعي هش .
أما مصر فرغم الإنتقادات فإنها تتحرك وفق معادلة دقيقة : دعم الأشقاء وحماية أمنها القومي ، وتجنب الإنزلاق إلى حرب مفتوحة لا رابح فيها ! وهو موقف قد يبدو للبعض متحفظًا ، لكنه في الواقع يعكس قراءة استراتيجية لما بعد الحرب لا مجرد انفعال لحظي .
ختامًا :
ربما يكون الثمن الذي يُدفع اليوم باهظًا ، لكنه يفتح الباب أمام مراجعة حقيقية :
هل يستمر العرب في إدارة أزماتهم بشكل فردي … ؟؟؟
أم يدركون أن زمن التكتلات قد حان ، وأن الأمن لا يُشترى بل يُبنى … !!!
الإجابة لن تحدد فقط مسار هذه الحرب ، بل شكل المنطقة لعقود قادمة .


