تفكيك أوهام الصراع وكشف صناع الفوضى
كتب ضاحى عمار
يكشف الواقع السياسي في الشرق الأوسط عن حقيقة طالما جرى التعتيم عليها، وهي أن الصراع في جوهره لا تحكمه اعتبارات مذهبية أو شعارات دينية، بل تحركه مصالح كبرى ومشروعات نفوذ تستهدف السيطرة على الأرض وخيراتها. وفي قلب هذه المعادلة، تتكشف أدوار خفية لقوى دولية وإقليمية عملت على إعادة تشكيل خريطة المنطقة عبر أدوات غير تقليدية، كان أبرزها توظيف التنظيمات المتطرفة لإعادة توجيه بوصلة الصراع بعيدًا عن مسارها الحقيقي.
ويؤكد عدد من خبراء الأمن القومي أن ظهور تنظيم داعش لم يكن مجرد تطور عشوائي داخل بيئة مضطربة، بل جاء نتيجة فراغات أمنية وسياسية جرى استغلالها بعناية، في ظل تدخلات خارجية سعت إلى خلق واقع جديد قائم على الفوضى المنظمة. ويشير هؤلاء إلى أن هذا التنظيم تحوّل سريعًا إلى أداة لإعادة رسم أولويات المنطقة، حيث انشغلت الدول بمحاربته بدلًا من التركيز على التهديدات الاستراتيجية الأعمق.
ويرى محللون في شؤون الجماعات المسلحة أن داعش نجح في اختطاف الخطاب الديني وتقديم نموذج مشوه للإسلام، ما أسهم في تشويه صورة الدين عالميًا، وخلق حالة من النفور والعداء تجاه كل ما يمت بصلة إلى الهوية الإسلامية. هذا التحول لم يكن معزولًا عن مصالح قوى كبرى، استفادت من هذا التشويه لتبرير تدخلاتها العسكرية، وتعزيز وجودها في مناطق استراتيجية غنية بالموارد.
وفي السياق ذاته، يشير متخصصون في العلاقات الدولية إلى أن استمرار حالة الفوضى في بعض دول المنطقة لم يكن صدفة، بل نتيجة تلاقي مصالح قوى تسعى إلى إبقاء الشرق الأوسط في حالة استنزاف دائم. فالصراعات الداخلية، التي غذتها التنظيمات المتطرفة، فتحت المجال أمام سباق تسلح غير مسبوق، ما أدى إلى تدفق مليارات الدولارات نحو صناعات السلاح في الغرب، على حساب استقرار وتنمية دول المنطقة.
كما يلفت خبراء اقتصاديون إلى أن هذه الحالة من عدم الاستقرار ساهمت في تسهيل السيطرة على الموارد الطبيعية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، عبر إضعاف الدول وتقويض قدرتها على حماية ثرواتها. ويؤكد أحد الخبراء أن غياب الدولة القوية يفتح الباب أمام قوى خارجية للهيمنة على مصادر الطاقة والمعادن، وهو ما يتكرر في أكثر من ساحة داخل الشرق الأوسط.
في المقابل، يرى مراقبون أن أخطر ما في هذه الظاهرة هو قدرتها على تفكيك المجتمعات من الداخل، عبر نشر خطاب الكراهية والانقسام، وتحويل الصراع إلى اقتتال داخلي يستنزف الطاقات ويهدر الإمكانات. فبدلًا من توحيد الجهود لمواجهة التحديات الحقيقية، تنشغل الشعوب بصراعات جانبية تُدار في كثير من الأحيان من خلف الكواليس.
وتتفق آراء عدد من الباحثين على أن استعادة الوعي تمثل الخطوة الأولى نحو كسر هذه الدائرة، من خلال إدراك طبيعة الصراع، والتمييز بين العدو الحقيقي والأدوات التي تُستخدم لإعادة تشكيل المشهد. كما يؤكدون أن مواجهة هذه التحديات تتطلب بناء جبهة داخلية قوية، قائمة على الوعي والوحدة، وقادرة على التصدي لمحاولات الاختراق والتفكيك.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الحاجة ملحة لإعادة قراءة ما جرى في المنطقة خلال السنوات الماضية، ليس فقط من منظور الأحداث، بل من زاوية المصالح التي حركتها، والأهداف التي سعت إلى تحقيقها. فالفهم الدقيق لهذه المعادلة يظل السبيل الوحيد للخروج من دوامة الصراعات، واستعادة زمام المبادرة في معركة لا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات.
تفكيك أوهام الصراع وكشف صناع الفوضى 

