طبوغرافيا الألم وصمود جبال الأرز
بقلم محمد جابر
الممر مئة وخمسة وعشرون
لم تعد لبنان مجرد ساحة للأحداث بل تحولت إلى اختبار حقيقي لوعي العالم وحدود إنسانيته
في هذا الممر لا يقاس الصمت بغياب الصوت بل بمدى العجز عن الفعل ولا يقاس الحضور بكثرة الخطابات بل بقدرتها على ملامسة الحقيقة
في هذا الممر لا تبدو لبنان مجرد طبوغرافيا تتلقى الضربات بل مساحة قاسية يعاد فيها تعريف المعنى
عالم يراقب ولا يتدخل وخطاب يحاول تسمية ما يتجاوز قدرته على التفسير
هنا لا تسير الأحداث وفق قوانين واضحة بل تنحرف داخل مسارات ملتبسة تغتال فيها الحقيقة بين خطابات مهترئة وعدالة منتهكة
ما يجري ليس تصعيدا عابرا بل إعادة إنتاج لعنف معد سلفا يصاغ قبل أن يصل إلى الوعي العام
وحين يصل يكون قد فقد براءته وتتحول الرواية إلى نص يعاد تشكيله وفق منطق القوة لا وفق حقيقة ما حدث
تتقدم إسرائيل بوصفها فاعلا يضرب بالقواعد عرض الحائط حيث يصبح صوت القوة هو الصوت الغالب
وحين تنفلت من أي قيد أخلاقي أو قانوني تتآكل مفاهيم العدالة وحقوق الإنسان وتتحول إلى شعارات بلا أثر
في هذا الممر تتناثر الحقيقة بين ما يقال وما يتداول بين ما يدان وما يبرر داخل الخطاب ذاته
فتستباح مفاهيم الإنسانية علنا بينما يواصل النظام الدولي صمته كأنه يعيد تعريف العجز ويمنحه شرعية غير معلنة
لم تعد الصورة أداة لكشف الحقيقة بل صارت وسيلة لطمسها لتتسع المسافة بين الجاني والضحية
وفي أحد أطراف الممر يقف طفل ممسكا بيد أمه يحدق في الأموات لا يسأل عمن بدأ ولا ينتظر تفسيرا
كل ما يعرفه أن منزله لم يعد موجود وأن الخوف صار مقيما في القلوب
هنا لا يبدو الوهن العربي والدولي مجرد موقف بل حالة ممتدة من الصمت تكرس العجز وتعيد إنتاجه
كأن هذا الممر صمم ليبقى بلا مخارج حيث تتكرر المأساة دون أن تفضي إلى حلول حقيقية
ورغم ذلك تظل جبال الأرز حاضرة داخل هذا الممر لا كرمز جغرافي فحسب بل كبنية صمود
صمود يتكئ على الذاكرة ويستند إلى خبرة طويلة في العبور بين الألم والبقاء
هنا لا يكون البقاء مجرد نجاة بل فعل مقاومة ضد الانكسار
وعليه يبقى السؤال هل يمكن للعالم أن يعيد ترتيب نفسه خارج منطق القوة
أم أن هذه الممرات ستظل تعيد إنتاج الموت بصيغ مختلفة في كل مرة
لم يعد كافيا أن تكون لبنان في القلب بل بات ضروريا أن ترى بوصفها اختبارا حيا للوعي الإنساني حيث يصبح الصمود معيارا للتشكل حين تفشل كل آليات الإبادة
طبوغرافيا الألم وصمود جبال الأرز


