سبب ما أصاب المسلمين اليوم من قصور
بقلم / محمـــد الدكـــروري
يا ابن آدم ما أغفلك كأنك بالموت قد فاجأك، وملك الموت قد وافاك، فيأس منك الطبيب، وفارقك الحبيب، وتفجّع لفقدك كل قريب، فوقعت في الحسرة، وجفتك العبرة، وبطل منك كل لسان، بعد الفصاحة والبيان، وأُدرجت في الأكفان، وصار القبر مأواك، وإلى يوم القيامة مثواك، وفارقك الأهل والإخوان، ووقع بهم عنك السلو والنسيان، فإن كان لك منزل سكنوه، أو كنت ذا مال قسموه، وإعلموا عباد الله أن ما أصاب المسلمين اليوم من قصور ليس مرجعه قيم الإسلام ومبادئه ومقاصده وغاياته وإنما سببه هو الفرق بين العلم والعمل والفصل بين العقيدة والمبادئ والقيم، وإن اللحاق بركب الحضارة لا يكون على حساب الثوابت، وإن ثوابتنا وقيمنا نحن المسلمين هي سبب عزّنا وهي سبب تقدمنا، ويجب أن يعرف كل فرد في الأمة التي تريد النهوض إلى المجد أن العقيدة هي التي تبني القوى وتبعث العزائم وتضيء الطريق للسالكين.
وإن الحفاظ على قيم الحياء والحشمة والعفاف، والبعد عن الاختلاط وعدم ابتذال المرأة تظل أحد أكبر صمامات الأمان للمجتمع إزاء الكوارث الخلقية التي أصابت العالم اليوم في مقتل، وإن للجدية في الإسلام مظاهر وعلامات ليبحث كل امرئ عنها في نفسه، فإن وجدها فليحمد الله عز وجل، وليستقم عليها، وإن غابت عنه، فليجاهد نفسه، ليتحلى بها، حتى يكون لبنة قوية سوية في البنيان، ولقد حرص النبي الكريم صلى الله عليه وسلم كل الحرص، على أن تكون الجدية والمسؤولية رمزا في حياة المسلم، لذلك ربي المسلم على هذه المظاهر بأن يكون جديا في أمور دنياه، في معاملته مع أهله وجيرانه وأفراد مجتمعه فيقول صلى الله عليه وسلم “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه” وكما يكون جديا في قوته وقوت عياله متحريا للمال الحلال ثم إيداعه في المكان الحلال.
فيقول صلى الله عليه وسلم “لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه، وعن علمه فيم فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه” رواه الترمذي، فإنه استحضار لذلك الموقف العظيم يدفعه إلى الجدية وروح المسؤولية، وأيضا الجدية في أمور دينه، في عباداته ونسكه، الجدية في العمل على تطبيق أحكام الله في أرضه، والحرص على الوقت، واغتنامه في طاعة الله، وخدمة دعوته، وتفقد إخوانه، وصلة أرحامه، وقضاء حوائج لناس، والتنفيذ الفوري للتكاليف، وعدم تأجيل عمل اليوم إلى الغد، فلا تراخي، ولا تسويف حتى لا تتراكم الأعمال، ويقع ما لا تحمد عقباه، ورأينا هذه الاستجابة الفورية كذلك في موقف نساء الأنصار من آيات الخمار، فما إن انقلب الرجال إلى البيوت يتلون كلام الله تعالى كما جاء في سورة النور” وليضربن بخمرهن علي جيوبهن” حتى قمن لتوهن إلى مروطهن لشقها والتلفح بها.
حتى جئن في صلاة الفجر، وكأن على رؤوسهن الغربان، لم تتلكأ واحدة في إمتثال الأمر، وهذا هو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الذي كان من صور رحمته صلي الله عليه وسلم بأمته أنه رخص لهم الفطر في السفر شفقة ورفقا بهم، ورغب صلى الله عليه وسلم في الفطر للمسافر، ورهب من صيامه إذا لحقته المشقة من الصيام، أو كان في فطره مصلحة ولو دنيوية لا يقدر عليها صائما، وهكذا رأينا الإسلام سمحا كريما رحيما بأهله، لا يحب العنت والمشقة وإن كانت في العبادة، والكيس من أوغل في الدين برفق، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى” وفي سيرة هؤلاء العظماء من الرجال والنساء الكثير والكثير، ويروى أن عبيد الله بن العباس، وهو شقيق عبد الله بن العباس حبر الأمة رضي الله عنهم اجمعين، هو أول من سن في الإسلام سنة إقامة الولائم لإفطار الصائمين في رمضان.
بل وأول من سن توزيع التمر على المصلين في المساجد عقب آذان المغرب، ويروى عنه أنه كان مسافرا إلى الشام بصحبة خادمه، فأمطرت، فبصر عن بعيد منزلا، فذهبوا إليه لاستضافتهم، وإذ برجل يبلغ من العمر عتيا فقالوا له نحن من المدينة ونريد الاستضافة فقال حياكم الله وسمح لهم بالمبيت، فيقول خادم عبيدالله بن العباس رأينا أنه لا يملك إلا شاة واحدة فقال لزوجته آتيني بالسكين فقال له عبيدالله لا تنحرها رحمك الله فأنك لا تملك غيرها، فقالت زوجته اسمع كلام الضيف ونحن نسترزق بفضل الله بها، فقال والله الفقر أرحم إلي من البخل واللؤم، ثم نحرها، وقال لزوجته لا توقظي أبناءك حتى يظل الطعام كله للضيوف فقط فأكل عبيدالله وصاحبه وناما، وفي الصباح قال عبيدالله لخادمه لا تجارة لنا، أعطي هذا المال والقافلة لهذا الرجل فقال خادمه، غفر الله لك نحر شاة وتعطيه ثمن قافلة.
فقال عبيدالله لقد نحر كل ما يملك لكن القافلة ليست كل أملك، فقال الخادم إنه لا يعرفك، فرد عليه ويحك إن لم يكن يعرفني فأنا أعرف نفسي أعطه القافلة وزده خمسمائة دينار.
سبب ما أصاب المسلمين اليوم من قصور


