بدأت التربية الإسلامية في مكة
بقلم / محمـــد الدكـــروري
اعلموا يا عباد الله أنه بدأت التربية الإسلامية في مكة وقبل أن تكون للإسلام كلمة نافذة في المجتمع، بل حين كانت الفئة المؤمنة هي المستهدفة بالفتنة والأذى، واستكمل البناء التربوي الإسلامي في المدينة حيث الأمن والعافية وإقامة الدولة ولم يكتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تربية الأمة حين قامت الدولة، بل استمر يربي الأمة حتى آخر لحظة، فأما في مكة فبينما الجاهلون يقاومون دعوة التوحيد ويطوفون حول آلهة صنعوها بأيديهم ويرسخون الفوارق بين الناس في المجتمع، وبينما الفئة المؤمنة تواجه الأذى والاضطهاد، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى أصحابه في دار الأرقم يربيهم ويعلمهم، فيعلمهم العقيدة الصحيحة، ويربيهم عليها، وحين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه على العقيدة الصحيحة، كان ينشئ بقدر الله ذلك اليقين القلبي الذي ينبثق منه السلوك العملي.
وكان بهذا ينشئ بقدر الله تعالي تلك النفوس العجيبة التي صنعت ما شاء الله لها أن تصنع من عجائب التاريخ، بالقرآن الكريم وبتوجيهاته الدائمة صلى الله عليه وسلم بقيام الليل بالقدرة العملية في شخصه صلى الله عليه وسلم برعايته لهم في المحنة، بالحب الفياض من قلبه العظيم لهم، وبكل تلك الوسائل مجتمعة، تأصلت العقيدة في قلوب ذلك الجيل المتفرد، فكانت تلك الطاقة الهائلة التي صنعت الأعاجيب، وقد اعتني الإسلام كثيرا بالوالدين وخصوصا عند الكبر، لأن في مرحلة الشيخوخة والكبر يحتاج الوالدان إلى مزيد من التوقير والإحترام من الأبناء، فحق على الأبناء أن يوقروا آباءهم، ويحترموهم، ويعترفوا بفضلهم ومكانتهم، وأن يتأدبوا معهم في مخاطبتهم، والجلوس معهم، وأن يتواضعوا لهم، ولا يتطاولوا عليهم بقول أو فعل، حيث يقول تعالي ” واخفض لهما جناح الذل من الرحمه” فهما أحق الناس بعطفك ورفقك ورحمتك وتواضعك ومعروفك.
فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال جئت أبايعك على الهجرة، وتركت أبوايّ يبكيان، فقال صلي الله عليه وسلم ” ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما” رواه أحمد، فإياك أن تأفف من شيء تراه أو تشمه من أحدهما أو منهما مما يتأذى به الناس، ولكن اصبر على ذلك واحتسب الأجر عليه من الله عز وجل، كما صبرا عليك في صغرك، وإحذر الضجر والملل قليلا أو كثيرا، وعليك بالرفق واللين معهما، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا، وإياك أن تسيء الأدب معهما، أو تقسو عليهما، أو ترفع صوتك فوق صوتهما، أو تخالفهما على سبيل الردّ عليهما والتكذيب لهما، بل احفظ وصية الله فيهما، فسبحانه القائل العظيم ” وقل لهما قولا كريما” وفي مرحلة الشيخوخة والكبر يحتاج الأبوان إلى زيارة الأبناء لهما وتفقد أحوالهما على الدوام فهما أحق الناس بصلتك وتفقدك وزيارتك.
فإياك أن تهجر والديك وتقطع الصلة بهما، أو تزجّ بهما في دور العجزة وأنت قويّ البدن سليم الأعضاء، بل عليك بخدمتهما، والإحسان إليهما، مهما كانت ظروفك، وكثرت همومك وانشغالاتك، ومهما كانت أسباب خلافك مع والديك، فالصلاة والسلام علي رسول الله الهادي إلي الحق البشير النذير، فلقد مرت ثلاثة عشر عاما في أم القري مكة المكرمة في تربية للأمة الإسلامية على الضبط والإحكام، ومهدت هذه الأعوام من التربية للأعوام العشرة المدنية التي تلتها، وفي مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تربية ثانية يُؤخذ بها المؤمنون، تختلف عن التربية الأولى قليلا في مظهرها واتجاهها لا في روحها وحقيقتها، فكانت التربية الأولى ضبطا للنفس وصبرا على الأذى وتبليغا وإعدادا للعدة مع حبس دواعي الانطلاق وكف حدة الإقدام، أما التربية الثانية فهي تبنى على الأسس السابقة، ثم تدفع المؤمنين دفعا قويا.
إلى الانطلاق في سبيل الله للضرب على أيدي أعداء الله بقوة لا تعرف الضعف، وعزيمة لا تعرف الوهن، ومهدت هذه الأعوام من التربية في المدينة للأعوام التي تلتها، والتي امتد فيها الإسلام إلى أقصى المشرق وأقصى المغرب على أيدي الربانيين الذين هم الترجمة الحية للعقيدة الإسلامية الصحيحة، والتربية الإسلامية الشاملة، وقام رسول الله محمد صلي الله عليه وسلم بتربية الصحابة وتعريفهم علي حقوق الوالدين وكبار السن.
بدأت التربية الإسلامية في مكة


