حين يتحول الاختلاف إلى جدار كيف نحول الحوار من صراع إلى جسر إنساني؟
ب🖋️ ليلى عمر
بين رفوف مكتبةٍ قديمة جلس صديقان يتبادلان أطراف الحديث حول مسألةٍ عابرة بدأت المناقشة بهدوءٍ وود وانتهت بوجوهٍ شاحبة وعيونٍ تملؤها الحيرة لم يكن أحدهما يكره الآخر بل كان الود ثالثهما لكن لحظةً واحدة غاب فيها الإنصات وحضر فيها صدى الأنا جعلت المسافة بينهما تبدو كأميالٍ من الصمت أدرك أحدهما حينها أن العقول غرفٌ مغلقة مفاتيحها الكلمة الطيبة لا الصوت المرتفع وأن المحبة أوسع من أن يضيق بها رأي مختلف فالاختلاف في جوهره ليس دعوةً للقطيعة بل هو نداءٌ عميق للفهم
في فلسفة الحوار ليس كل من اختلف معك ضدك وليس كل من خالفك لا يحبك فبعض الخلافات تأتي من أعز الأحباب والحقيقة أن أغلب تباين الآراء يتحول إلى شرارة صراع حين يغيب الوعي فارتفاع الصوت ومحاولة إثبات الصواب المطلق وعدم الإنصات كلها عوامل تزعزع محور الحديث وتبني حاجزًا سميكًا فيتحول الكلام إلى صدى غير مفهوم يتبعه عناد وتصلب في المواقف ولنجاح الحوار لا بد من الاقتناع بأن تعدد وجهات النظر هو طبيعة بشرية وأننا قد نكون جميعًا على حق ولكن من زوايا مختلفة
لقد لخص الخالق سبحانه وتعالى هذه الفلسفة في قوله تعالى يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا
تحتفي هذه الآية بأسمى معاني الإنسانية وتضع التعارف كقاعدة ذهبية للوجود فالتعارف هو مفتاح التفهم ويتطلب إنصاتًا عميقًا لأنك لن تعرف جوهر إنسان وأنت تحاول إسكات صوته وإذا كان الله قد قبل تنوعنا في الخلق فمن باب أولى أن نقبل تنوعنا في الفكر ليكون اختلافنا تنوعًا يثري الحياة لا تضادًا يهدمها
وفي ختام هذه الرحلة التي جمعت القلوب قبل العقول ندرك أن اختلاف ألوان الزهور في البستان هو ما يمنحه الجمال وأن تباين الأصوات في القصيدة هو ما يصنع النغم فالاختلاف ليس ثغرة في جدار الود بل نافذة نطل منها على عوالم جديدة لقد أراد الخالق لهذا الكون أن يكون لوحةً من التعدد لنتقارب ونكتشف في الآخر ما ينقصنا ونبني بوعينا نسيجًا إنسانيًا واحدًا
ويبقى اليقين أن حين يكون الحوار جسرًا لا جدارًا نصنع حياةً أكثر رقيًا واتزانًا
حين يتحول الاختلاف إلى جدار كيف نحول الحوار من صراع إلى جسر إنساني؟


