من ضحايا كرة القدم المصرية… عندما يتحول الحلم إلى مأساة
بقلم: وليد وجدي
في كل مرة نفقد فيها شابًا كان يحمل حلمًا رياضيًا، لا تكون الخسارة إنسانية فقط، بل تكون شهادة جديدة على خللٍ كبير داخل منظومة تحتاج إلى إعادة نظر شاملة. قصة أحمد سالم، حارس المرمى السابق في صفوف طلائع الجيش ودكرنس، ليست مجرد حادثة عابرة، بل هي عنوان لواقع مؤلم يعيشه كثير من لاعبي كرة القدم في مصر.
شاب بدأ مشواره بين القائمين والعارضة، يحمل طموحًا مشروعًا بأن يكون له مكان بين الكبار، يقضي سنوات من عمره في التدريبات والمعسكرات، يضحي بالكثير من أجل حلم ارتداء قميص فريق كبير أو تمثيل منتخب بلاده. لكن النهاية كانت بعيدة كل البعد عن هذا الحلم… نهاية فوق سقالات العمل، وهو يسعى وراء لقمة العيش.
من حارس مرمى إلى “مبيض محارة”… جملة تختصر حجم المأساة.
ليس عيبًا في العمل الشريف، بل العيب الحقيقي في منظومة لم تستطع احتواء أبنائها، ولم توفر لهم الحد الأدنى من الأمان بعد انتهاء مشوارهم الكروي أو حتى أثناءه.
لقد تحولت كرة القدم في مصر، في كثير من الأحيان، من لعبة شعبية تصنع النجوم إلى سوق مفتوح تحكمه المصالح والعلاقات. لم تعد الموهبة وحدها كافية، ولم تعد الفرص متاحة للجميع بشكل عادل. اختبارات الناشئين، التي يفترض أن تكون بوابة العدالة، أصبحت في نظر الكثيرين مجرد إجراء شكلي، تُحسم نتائجه أحيانًا بعيدًا عن المستطيل الأخضر.
وهنا يبرز السؤال الأهم:
أين ذهبت المواهب الحقيقية؟
الإجابة المؤلمة أن كثيرًا منها لم يختفِ، بل أُجبر على ترك الحلم.
بين ضغوط الحياة، وغياب الفرص، وانعدام التقدير، يجد اللاعب نفسه خارج الحسابات، فيبحث عن أي عمل يوفر له دخلًا ثابتًا، حتى لو كان بعيدًا تمامًا عن المجال الذي أفنى فيه شبابه.
هذا الواقع لا ينعكس فقط على الأفراد، بل يمتد تأثيره إلى الكرة المصرية ككل. فمنتخب مصر، الذي كان يومًا مصنعًا للنجوم، أصبح يعاني في فترات من غياب المواهب الحقيقية، لأن القاعدة نفسها لم تعد تُدار بالشكل الصحيح.
إن قصة أحمد سالم تعيد فتح ملفات كثيرة، أهمها:
غياب الرعاية الحقيقية للاعبين بعد انتهاء مسيرتهم.
ضعف منظومة اكتشاف المواهب.
سيطرة “البيزنس” على حساب الكفاءة.
غياب العدالة في الفرص داخل الأندية.
وربما الأهم من ذلك كله، هو غياب الإحساس بالمسؤولية تجاه هؤلاء الشباب الذين أعطوا من عمرهم للكرة، ثم تُركوا يواجهون مصيرهم بمفردهم.
رحيل أحمد سالم أثناء عمله ليس مجرد خبر، بل رسالة قاسية يجب أن تصل لكل مسؤول في المنظومة الرياضية.
رسالة تقول إن هناك من يدفع الثمن… بصمت.
ومن هنا، يصبح الوقوف بجانب أسرته واجبًا لا يقبل التأجيل، ليس فقط بالدعم المادي، بل أيضًا بالاعتراف بأن ما حدث هو نتيجة خلل يجب إصلاحه.
وفي النهاية،
نقول وداعًا لشاب لم يجد مكانه في عالم كرة القدم، فاضطر للبحث عن مكانه في الحياة… حتى لقي ربه وهو يسعى.
رحم الله أحمد سالم، شهيد لقمة العيش، رحمة واسعة،
وجعل قصته بداية لمراجعة حقيقية تعيد لكل صاحب موهبة حقه قبل أن تتحول الأحلام إلى مآسٍ جديدة.


