«اقرأ… أول أمرٍ إلهي في وجه حرب العقول»
كتبت / نعمة حسن
حين نزل الوحي على قلب سيدنا محمد ﷺ، لم يبدأ الخطاب الإلهي أمره بالسيف، ولا بالمال، ولا بالملك، ولا بالسياسة، بل بدأ بكلمة واحدة تختصر مشروع بناء الإنسان كله:
اقرأ.
لم تكن «اقرأ» مجرد تكليفٍ لنبيٍّ أمّيّ في لحظة بعثته، بل كانت إعلانًا خالدًا أن هذه الأمة لا تُبنى بالجهل، ولا تُحمى بالعاطفة وحدها، ولا تصمد أمام الفتن والشبهات إلا بعقلٍ يقرأ، وقلبٍ يعي، ولسانٍ يملك الحجة.
فالقرآن، وإن نزل في زمنٍ بعينه، لم يُحبس في ذلك الزمن. آياته تتجدد في حياة الناس، وتكشف معناها في كل عصر بحسب حاجته وأزمته. لذلك لا يجوز أن نقرأ «اقرأ» كحادثة ماضية فقط، بل كأمرٍ مستمر لكل إنسان يريد أن ينجو بعقله من السقوط.
اقرأ… لأن العقل الذي لا يُغذّى يُقاد.
اقرأ… لأن الإنسان الذي لا يعرف، يصدق أي شيء.
اقرأ… لأن الجهل لا يترك صاحبه فارغًا، بل يملؤه غيره بما يريد.
وسر القراءة أنها لا تضيف معلومات فقط، بل تعيد تشكيل الإنسان من الداخل. القراءة تدرّب العقل على التمييز، وتمنحه القدرة على السؤال، والربط، والمقارنة، وكشف الزيف. إنها تجعل الإنسان صاحب موقف لا صدى لغيره، وصاحب رأي لا نسخة مكررة من ضجيج الشاشات.
وديننا دين حجة.
لم يطلب القرآن من الإنسان أن يؤمن إيمانًا أعمى، بل خاطب عقله: أفلا تعقلون؟ أفلا تتفكرون؟ أفلا تبصرون؟
والحجة لا تأتي من الفراغ. تأتي من عقلٍ تربّى على المعرفة، ومن قلبٍ لم يُسلّم مفاتيحه لكل عابرٍ على شاشة، ومن إنسانٍ يعرف لماذا يؤمن، ولماذا يرفض، ولماذا يقف.
وقد ميّز الله الإنسان بالعقل، وكرّمه به، وحمّله الأمانة؛ والأمانة لا يحملها عقلٌ خامد. فمن لا يقرأ، لا يملك أدوات الدفاع عن وعيه. ومن لا يكتب، لا يترك أثرًا ولا يبني ذاكرة. لذلك جاء في القرآن أيضًا: «ن ۚ والقلم وما يسطرون»؛ قسمٌ عظيم بالقلم وما يخطّه الإنسان. وكأن الوحي يقول لنا: ليست القراءة وحدها عبادة ووعيًا، بل الكتابة أيضًا بناءٌ للذاكرة، وحفظٌ للمعنى، ومقاومةٌ للنسيان.
القلم ليس أداة قديمة تجاوزها الزمن.
القلم هو رمز التثبيت.
والكتابة ليست حروفًا على ورق، بل تدريبٌ للعقل على النظام، وللفكرة على الوضوح، وللنفس على الصبر.
لكننا اليوم نعيش مأساة ناعمة: الشاشات منحتنا سرعة الوصول، لكنها سرقت من كثيرين عمق الفهم. صرنا نقرأ العناوين ولا نقرأ المعاني. نمرّ على الكلمات ولا نسكنها. نكتب بأزرارٍ سريعة، لكننا نفقد علاقة اليد بالفكرة، وعلاقة الصبر بالمعرفة.
لقد صنعت الإلكترونيات إنسانًا يعرف كثيرًا من الشذرات، لكنه لا يمتلك بناءً معرفيًا متماسكًا. يسمع كل يوم، لكنه لا ينصت. يرى كل شيء، لكنه لا يتأمل. يعلّق بسرعة، لكنه لا يفكر بعمق. وهنا تكمن الخطورة: حين تُسطّح العقول، يسهل غزوها. وحين تُهجر القراءة، يدخل الدخلاء من أبواب الوهم والشبهة والتفاهة.
إن حرب العقول لا تبدأ بإسكات الإنسان، بل بإغراقه.
إغراقه في محتوى سريع، ضاحك، مبتور، بلا سياق، بلا أصل، بلا دليل. حتى يظن أنه يعرف، بينما هو لم يتعلم. وحتى يظن أنه حر، بينما أفكاره مزروعة فيه من حيث لا يشعر.
لهذا كانت «اقرأ» أول النجاة.
اقرأ لتعرف.
واكتب لتثبت.
وتفكر لتفهم.
واسأل لتنجو.
ولا تجعل الشاشة بديلًا عن الكتاب، ولا السرعة بديلًا عن الحكمة، ولا كثرة المعلومات بديلًا عن الوعي.
فالإنسان الذي يقرأ لا يُقاد بسهولة.
والإنسان الذي يكتب لا يُمحى بسهولة.
والأمة التي تحفظ قيمة القراءة والقلم لا تسقط في أول موجة تشويه.
«اقرأ» لم تكن بداية الوحي فقط… كانت بداية تحرير العقل.
و«القلم» لم يكن أداة كتابة فقط… كان شاهدًا أن الحضارات لا تُبنى بالأصابع التي تمرر الشاشة، بل بالعقول التي تفهم، والأيدي التي تسطر، والقلوب التي تحمل أمانة المعنى.
وهنا قاريء العزيز ..
القراءة .. ثم القراءة .. ثم القراءة .. فالقرءة تمنحنا الفكر .. والفكر يمنحناالوعي .. والوعي هو الحصن والدرع والسلاح الفتاك الذي نحارب به سطوح العقل وفرض الجهل والتحكم بعقولنا التي ميزنا بها المولى جل وعلا فوجب علينا الامتثال لإوامره فهو الرحيم بنا واعلم بما فيه الخير لنا فلم يحرم علينا شيء إلا وفيه شرا لنا .. ولم يأمرنا بشيء إلا وفيه الخير لنا .
فسبحان الله ولا اله الا الله سيدنا محمد رسول الله .
حفظنا الله جميعاَ وأنعم علينا برضاه .
مع تحياتي ..
نعمة حسن .

