الذين إستحلوا ما حرم الله تعالى
بقلم / محمـــد الدكـــروري
إنا في عصرنا الذي نعيش فيه قد بلغت الفواحش مداها، ونقلت أخبارها ومقدماتها، وتنوع الإغراء إلى فعلها والمفاخرة بها عبر الإعلام الفاسد، وبلغت الجرأة بأهل الفواحش والشذوذ ذكورا وإناثا أنهم يسجلون مغامراتهم في الزنا والسحاق وعمل قوم لوط في قصص وروايات، فيكرّمون بسببها، ويُمنحون عليها الجوائز، ويقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ” إنما أنا بشر وإنما يأتينى الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صادق فأقضى له فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هى قطعه من النار فليحملها أو يذرها” رواه البخارى ومسلم، ولقد بعث الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالصراط المستقيم، والهدي القويم، وأمره أن يبين للناس ما يحل لهم، وما يحرم عليهم، فيقول الله تعالى ” الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراه والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث”
فقال ابن كثير ” وقال بعض العلماء كل ما أحل الله تعالى، فهو طيب نافع فى البدن والدين، وكل ما حرمه، فهو خبيث ضار في البدن والدين” فالحرام لا يأتى بخير، وإن كان له بريق، والتحسين إنما يكون بالشرع، لا بالعقل المحض، الذي زين لبعض الناس شرب الخمر، فاستحلوا ما حرم الله، فهل وصل الأمر ببعضنا إلى أن يستوى عنده الحلال والحرام، فلا يميز بينهما؟ فيقول النبى صلى الله عليه وسلم “ليأتين على الناس زمان، لا يبالي المرء بما أخذ المال، أمن حلال أم من حرام” رواه البخارى، وإن الجسد الذى ينبت من الحرام، تنتظره النار يوم القيامة، فيقول النبى صلى الله عليه وسلم “إنه لا يربو لحم نبت من سحت، إلا كانت النار أولى به” رواه الترمذى، ويقول صلى الله عليه وسلم “إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة” رواه البخاري، واتقوا الله وتعاونوا وتآزروا وتناصحوا، ولا يقل كل واحد منا نفسي نفسي لأنه لا غنى لمسلم عن إخوانه.
واعلموا أنه لا يشترط في التكافل أن يكون بالمال والطعام وحسب، بل إن الزيارة في الله من التكافل، والنصيحة من التكافل، والكلمة الطيبة من التكافل، بل قد يكون أثر مثل هذه الأمور أعظم من أثر المال، فسارعوا إلى إحياء هذا المبدأ العظيم في أسركم وجيرانكم وإخوانكم المسلمين، واقتدوا بسلفكم الصالح الذين عرفوا هذا الأمر وقاموا به حق القيام، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم يتفقدون ذوي الحاجات ويعينونهم، وجاء من بعدهم من المسلمين فحرصوا على هذا أشد الحرص، فقاموا به جماعات وأفرادا، يبتغون رضوان الله تعالي، ويذكر الإمام الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء أن القاضي محمد بن علي المروزي عُرف بالخياط لأنه كان في الليل وفي وقت فراغه يخيط الثياب للأيتام والضعفاء، ويذكر أيضا أن أبا العباس الرفاعي وكان فقيها شافعيا كان يجمع الحطب ويجيء به إلى بيوت الأرامل ويملأ لهم الماء بالجرة، فأين نحن من سيرة سلفنا الصالح؟
وأين نحن من مثل هذه الأخلاق وهذه المكارم؟ فاتقوا الله تعالي وراقبوه في السر والعلن تفلحوا وتسعدوا، واعلموا أن ثواب هذا التكافل فإنه ثواب عظيم في الدنيا والآخرة، فلقد عدّه رسول الله صلى الله عليه وسلم كالجهاد في سبيل الله الذي هو ذروة سنام الإسلام، فيقول صلى الله عليه وسلم “الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله” فهل نعجز عن تحصيل ثواب هذا الجهاد بمثل هذا العمل الذي قد يكون أيسر على كثير منا من الجهاد بالنفس؟ بل ويرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المبدأ ويشجع عليه حتى يجعل من يقوم بهذا الواجب الإسلامي العظيم رفيقا له في الجنة، فيقول صلى الله عليه وسلم “أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا” وأشار بالسبابة والوسطى وفرّج بينهما، فمن ذا الذي يرغب عن مصاحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة؟ ومن ذا الذي يزهد في هذا الفضل العظيم؟ وإياكم وأكل الحرام، فإن لأكل الحرام في زماننا مظاهر كثيرة منها التحايل في الخصومة أمام القضاة.
كما هو شأن بعض من يحبُكون التزوير والتلبيس، والإدلاء بشهداء الزور ظلما وبهتانا، فقال تعالى ” ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعملون” وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنه “هذا في الرجل يكون عليه مال، وليس عليه فيه بينة، فيجحد المال ويخاصمهم إلى الحكام، وهو يعرف أن الحق عليه، وقد علم أنه آثم، آكل حرام”
الذين إستحلوا ما حرم الله تعالى


