أشد ما يفسد القلوب
بقلم / محمـــد الدكـــروري
إن الغفلة والجهل هو أشد ما يفسد القلوب، فالقلب الغافل قلب معطل عن وظيفته، معطل عن الإلتقاط والتأثر والاستجابة، تمر به دلائل الهدى، أو يمر بها دون أن يحسها أو يدركها، ودون أن ينبض أو يستقبل، ومن ثم كان الإنذار هو أليق شيء بالغفلة التي كان فيها القوم، الذين مضت الأجيال دون أن ينذرهم منذر، أو ينبههم منبه، فهم من ذرية إسماعيل، ولم يكن لهم بعده من رسول، فالإنذار قد يوقظ الغافلين المستغرقين في الغفلة، الذين لم يأتهم ولم يأتي آباءهم نذير، ولا يوجد شك أن العلماء الملتزمين بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لهم مكانة كبيرة في الإسلام، حددها الله ورسوله، والعلماء هم من انطبقت عليهم الخيرية، التي حددها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ” من يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين” والعلماء هم الذين يتدبرون هذا الكتاب العجيب، ومن ثم يعرفون الله معرفة حقيقية، ثم يخشونه حقا، ويتقونه حقا،ويعبدونه حقا” فهم أخشى الناس لله، وأعبد الناس له.
والعلماء لا يستوون هم وبقية الناس فهل يستوي هذا العالم، والذي قبله ممن جعل لله أندادا ليضل عن سبيله؟ إنما يعلم الفرق بين هذا وهذا من له لب وهو العقل” وهل يستوي الذين يعلمون ما لهم في طاعتهم لربهم من الثواب، وما عليهم في معصيتهم إياه من التبعات، والذين لا يعلمون ذلك، فهم يخبطون في عشواء، فلا يرجون بحسن أعمالهم خيرا، ولا يخافون بسيئها شرا؟ والعلماء هم ورثة الأنبياء فيما جاءوا به، فهم قد ورثوا منهم العلم لما ورد عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “وإن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر” فالعالم يأخذ مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يفرق بين النبي وبين العالم إلا درجة النبوة، فيا لها من مكانة، ويا له من فضل، ويا له من تشبيه لهذا الذي يحمل العلم، والعلماء هم أرقى الناس منزلة في الدنيا قبل الآخرة، وأحق الناس أن تتطلع لما عندهم الأعناق، بل الغبطة تكون على هؤلاء.
فإنهم هم العدول الحقيقيون، وجميع ما ذكر في فضيلة العلماء إنما هو في حق العلماء الربانيين المتقين، الذين قصدوا بعلمهم وجه الله الكريم، فكانوا أحق الناس بالمحبة والتعظيم والتوقير بعد الله، وبعد رسوله صلى الله عليه وسلم لأن العلم ميراث الأنبياء، والعلماء ورثته، ومحبة العالم تحمل على تعلم علمه واتباعه، والعمل بذلك دين يدان به، فتعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عباده، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، فإن العلم مروءة من لا مروءة له، ومن أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الأخرة فعليه بالعلم، وإن العلم يجعلنا نعبر عما في أنفسنا بطريقة سامية ويهذب نفوسنا وينير أعماقنا فنشفى من أمراضنا وهو طريق الهامنا، وفي تعليم الأبناء فإن هناك أمور مشتركة بين الأبوين يتعاونان عليها وهناك أمور خاصة لكل منهما فالأبناء على الأب خاصة أن يربيهم على الخير والبنات على الأم خاصة أن تربيهن على الخير فالأب يتعاهد أبناءه من الصغر.
فيأمرهم بالصلاة حين يبلغون سن التمييز، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “مروا أولادكم للصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع ، هذه ثلاثة أوامر من الرسول صلى الله عليه وسلم نحو الأولاد أن يؤمروا بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، وإذا بلغوا العشر وتكاسلوا عنها يضربون حتى يتأدبوا ويحافظوا عليها، والثالث يفرق بينهم بالفرش فلا يتركون ينام بعضهم إلى جانب بعض خشية من الفتنة، ولئلا ينشؤوا على التساهل في الأعراض” وإن الأم مكلفة ببناتها من ناحية دينهن ومن ناحية سترهن ولباسهن ومن ناحية شعورهن، فهي تربيهن على الشريعة وعلى الدين، ولا تتركهن يذهبن مع البنات السائبات المسيبات على الأم مسؤولية عظيمة نحو بناتها وعلى الأب مسؤولية عظيمة نحو أبناءه، ولقد حرص أعداء الإسلام حرصا شديدا، على إضعاف هذه الأمة بشتى الوسائل، إما بإلهائهم وتضييع أوقاتهم، وإما بنشر وسائل الدعارة والمجون، أو التشكيك في مسلمات الدين وثوابته.
ألا وإن من أعظم عتادهم، وأخطر سلاحهم، سلاح فتك بالأمة أيما فتك، راح ضحيته الآلاف بل الملايين، شتت بسببه الأسر، وهتكت الأعراض، وسالت الدماء، وانتشرت الأمراض، واختلت عقول، وامتلأت بسببه مستشفيات المصحات والمجانين، واكتظت السجون، ويُتمت بسببه ألاف الأطفال، ورملت النساء، إنه الداء العضال، والسلام الفعال، إنه داء المخدرات والمسكرات، فكم من عقول سليمة سلبها، وكم من أسر مترابطة فككها ودمرها، إنها المخدرات وما أدراك ما المخدرات إنها تقضي على الفرد في أعز ما يملك وهو عقله، وبالتالي تقضي على دينه وصحته وسلوكه، وتقضي على المجتمعات بالإخلال بأمنها، وجلب الفساد والفوضى إليها، وتدهور اقتصادها، وإعاقة تنميتها، وتفكك أسرها، فهي أم الخبائث، ورأس الفتن والشرور، وكبيرة من كبائر الذنوب، متعاطيها معرض نفسه لوعيد الله ولعنته وغضبه، والمدمن مفسد لدينه وبدنه، وأسرته ومجتمعه.
وساعى إلى الإثم والعدوان، وصائل متمرد على الأخلاق والقيم، وهو عضو مسموم في المجتمع، إذا استفحل أمره وتطاير شرره، أصابه بالخراب والدمار، ومتى غاب عقل المدمن، نسي ربه، فترك الصلاة فعندها لا يتورع عن القتل، والزنى، والخطف، بل وحتى الوقوع على محارمه، بل قد يسب الدين، وكم أحدثت من بغضاء وكم زرعت من عداوة، وكم فرقت من إجتماع، وكم ضيعت من أمة.


