الرئيسيةشعر‏جحود في خريف العمر
شعر

‏جحود في خريف العمر

‏جحود في خريف العمر

‏جحود في خريف العمر

‏جحود في خريف العمر

‏بقلم الدكتور/ محسن رجب جودة

‏في الوقت الذي ننتظر فيه أن تكون بيوت الأبناء هي المرافئ الآمنة التي تحمي كبار السن من عواصف الزمن، تطل علينا من وقت لآخر مآسٍ إنسانية تقلب الموازين، وتدك حصون الرحمة والبر في مجتمعاتنا. لعل الصرخة المدوية التي أطلقتها السيدة المسنة، الحاجة رضا (71 عاماً)، عبر منصات التواصل الاجتماعي، تمثل واحدة من أقسى قصص الجحود الإنساني؛ حيث تحولت دموعها المنهمرة وحرقة قلبها إلى جرح نازف في جبين الإنسانية، يبكي القلب قبل العين.

‏تبدأ فصول هذه المأساة الاجتماعية المؤلمة من داخل الغرفة الصغيرة التي عاشت فيها الحاجة رضا عقوداً من عمرها، الغرفة التي شهدت صلواتها ودعواتها الطاهرة لابنها “أحمد” بالستر والتوفيق. لكن هذا الابن، وبدلاً من أن يرد الجميل لأم أفنت شبابها في تربيته ورعايته، أطل عليها بوجه جاحد وقلب قيدته الأنانية. لم يطردها من أجل ضيق ذات اليد، بل طردها ليأخذ غرفتها ويمنحها لحفيدها (ابنه الشاب) ليؤسس فيها عش زوجيته الجديد!

‏بكلمات باردة، طُلب من السيدة السبعينية الوهنة أن تلملم ما تبقى من ذكرياتها وتغادر جدرانها الآمنة. خرجت الحاجة رضا وبيدها صرة صغيرة تضم كبرياءها المكسور، وحاولت جاهدة أن تبحث عن سكن بديل يستوعب ضعفها، لكن قسوة الظروف وغلاء المعيشة لم يرحما شيبتها، لتجد نفسها في نهاية المطاف بلا مأوى، تفترش رصيف الشارع وتلتحف ببرودة السماء.

‏أي قسوة هذه التي تجعل ابناً ينام ملء جفنيه في دفء منزله، بينما أمه التي سهرت ليله ومرضه تقضي ليلها منزوية خلف بوابات المنشآت الحكومية ومؤسسات الإيواء؟ تتنقل بين الطرقات، تارة يرق لها قلب حارس فيتركها تستظل بالستر، وتارة يطلب منها المغادرة مع بزوغ الفجر لتستأنف رحلة التيه في مدينة صاخبة لا تسمع أنين الضعفاء.

‏ومع كل هذا الوجع، وأمام الكاميرا التي نقلت تفاصيل مأساتها، لم تطلب الحاجة رضا المستحيل، ولم تبكِ قصراً أو جاهاً؛ بل لخصت عزة نفسها وكبرياءها في كلمات تقطع القلوب:

‏”أنا مش عايزة من الدنيا غير مأوى.. أوضة صغيرة بمنافعها، أقفل عليّ بابها.. أنام مستورة ومطمنة، ومستعدة أدفع إيجارها من قوت يومي.”

‏إنها صرخة امرأة ترفض استجداء الناس، مستعدة لتقاسم لقمة عيشها مقابل سقف يحمي ما تبقى من كرامتها الضائعة على عتبات الطرقات.

‏إن قصة الحاجة رضا ليست مجرد حالة فردية عابرة نمر عليها مرور الكرام، بل هي ناقوس خطر يدق في وعي المجتمع، يذكرنا بضرورة تفعيل قيم التراحم، ويستنهض أصحاب القلوب الرحيمة والمسؤولين لمد يد العون لهذه الأم المكلومة.

‏إن كبار السن هم بركة بيوتنا، وحين يضيع البر وتُلقى الأمهات في الشوارع من أجل مصالح شخصية، فإننا نواجه أزمة أخلاقية حقيقية تتطلب وقفة حاسمة. ندعو الله أن تجد استغاثة الحاجة رضا صدىً سريعاً، لتعود لجسدها المتعب السكينة ولروحها الأمان الذي سلبته منها يد الجحود.

‏‏جحود في خريف العمر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *