الرئيسيةمقالاتحين تتوحد الأرواح على صعيد الرحمة
مقالات

حين تتوحد الأرواح على صعيد الرحمة

حين تتوحد الأرواح على صعيد الرحمة

حين تتوحد الأرواح على صعيد الرحمة

 

بقلم أ. غميص الظهيري 

 

في موسم الحج، تتبدل ملامح العالم الإسلامي كله، وتتجه القلوب قبل الأبصار نحو مكة المكرمة، حيث تتعالى أصوات التلبية في مشهد تهتز له الأرواح قبل الآذان. ملايين الحجاج يتركون أوطانهم وأسماءهم ومناصبهم خلفهم، ويأتون بقلوبٍ متجردة لا تحمل سوى الشوق إلى الله، وكأن الأرض كلها تسير نحو باب الرحمة الإلهية.

وفي يوم عرفة، يبلغ هذا المشهد ذروته الروحية، فيقف الحجاج على صعيد عرفات وقوف الخاشعين، وقد ارتفعت الأكف بالدعاء، واغرورقت العيون بالدموع، وتعلقت الأرواح بعفو الله ومغفرته. هناك لا فرق بين غني وفقير، ولا بين أبيض وأسود، فالجميع يرتدون لباساً واحداً، ويرددون كلمات واحدة، ويقفون في مكان واحد، في صورة إنسانية عظيمة تجسد معنى المساواة الحقيقية.

يوم عرفة ليس مجرد يوم في التقويم، بل هو نافذة واسعة تُفتح فيها أبواب السماء، وتتنزل فيها السكينة على القلوب المتعبة. إنه اليوم الذي يشعر فيه الإنسان بقربه الحقيقي من الله، فيراجع نفسه، ويستحضر تقصيره، ويرجو بداية جديدة نقية خالية من الذنوب والأحزان.

الحجاج في ذلك اليوم يشبهون أمواجاً بيضاء تحيطها الرحمة من كل جانب، تفيض ألسنتهم بالذكر، وتمتلئ قلوبهم بالأمل، وكأنهم ولدوا من جديد في أرض الطهر. وما أعظم ذلك المشهد حين تمتزج دموع التوبة بأصوات التلبية، فتتحول عرفات إلى لوحة إيمانية لا يمكن للكلمات أن تصف جلالها الكامل.

وفي يوم الحج الأكبر، تتجلى أعظم معاني الإسلام؛ الوحدة، والسلام، والتجرد، والطاعة الخالصة لله. إنه يوم تتقارب فيه القلوب مهما تباعدت الأوطان، ويشعر المسلم أن الأمة كلها جسد واحد ينبض بالإيمان.

يبقى الحج رحلة العمر التي لا تشبه أي رحلة أخرى، ويبقى يوم عرفة أعظم أيام الروح، اليوم الذي تشرق فيه القلوب بنور التوبة، وتسمو فيه الأرواح فوق هموم الدنيا، ليعود الإنسان أكثر نقاءً وطمأنينة وقرباً من الله.

حين تتوحد الأرواح على صعيد الرحمة

حين تتوحد الأرواح على صعيد الرحمة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *