غدروا بعشرة من أصحاب رسول الله
بقلم / محمـــد الدكـــروري
جاء أن بني لحيان هم الذين كانوا قد غدروا بعشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالرجيع، وتسببوا في قتلهم، وشاء الله أن تكون بنو لحيان متيقظة، فما كاد النبي صلى الله عليه وسلم، يقترب بجيشه من منازلهم حتى إنسحبوا منها فارين، وهربوا إلى رؤوس الجبال، وذلك بعد أن نقلت إليهم عيونهم خبر اقتراب جيش المسلمين من ديارهم، ولما وصل النبي صلى الله عليه وسلم، بجيشه عسكر في ديارهم، ثم بث السرايا من رجاله ليتعقبوا هؤلاء الغادرين، ويأتون إليه بمن يقدرون عليه، واستمرت السرايا النبوية في البحث والمطاردة يومين كاملين إلا أنها لم تجد أي أثر لهذه القبائل، إذ تمنعت في رؤوس تلك الجبال الشاهقة، وقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم، في ديارهم يومين لإرهابهم وتحديهم، وليظهر لأعدائه مدى قوة المسلمين، وقدرتهم على الحركة حتى إلى قلب ديار العدو، فاغتنم فرصة وجوده بجيشه قريبا من مكة، فقرر أن يقوم بمناورة عسكرية يرهب بها المشركين هناك.
فتحرك بجيشه حتى نزل به وادي عُسفان وهى قرية بين مكة والمدينة، واستدعى أبا بكر رضي الله عنه، وأعطاه عشرة من أصحابه، وأمره بأن يتحرك بهم نحو مكة ليبث الذعر والفزع في نفوسهم، فاتجه أبو بكر بالفرسان العشرة نحو مكة حتى وصل بهم كراع الغميم، وهو واد بين مكة والمدينة، وهو مكان قريب جدا من مكة، فسمعت قريش بذلك، فظنت أن النبي صلى الله عليه وسلم، ينوي غزوها، فانتابها الخوف، وساد صفوفها الذعر، وهذا هو الذي هدف إليه النبي صلى الله عليه وسلم، أما الصديق وفرسانه العشرة فبعد أن وصلوا كراع الغميم، وعلموا أنهم قد أحدثوا الذعر والفزع في نفوس أهل مكة، عادوا سالمين إلى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم فتحرك بجيشه عائدا إلى المدينة وهو يقول ” آيبون، تائبون، لربنا حامدون ” وقيل أنه كان فترة هذه الغزوة خارج المدينة أربع عشرة ليلة، قضاها رسول الله صلي الله عليه وسلم وأصحابة خارج المدينة، وعلى الرغم من فرار بني لحيان.
وعدم حدوث قتال بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن هذه الغزوة أظهرت حب ووفاء النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه الذين قتلوا غدرا على يد بني لحيان، إذ كانت هذه الغزوة بعد سنتين من استشهادهم، وما زال النبي صلى الله عليه وسلم يذكرهم، ويدعو لهم، ويحاول معاقبة المشركين الذين قتلوهم، وكما دلت على حكمة التمويه على العدو، وإرهابه وتخويفه، وإظهار القوة له، وإن كان في ذلك مصلحة، وعلى مشروعية المعاقبة بالمثل، بقتال وقتل من خان وغدر بالمسلمين من المشركين، حينما يكون ذلك متاحا، ولقد بثت غزوة بني لحيان الذعر والرعب في صفوف أعداء المسلمين في مكة وما حولها، وحققت هدفها، فقد أصبحت منطقة الحجاز كلها تتحسب وتخشى قوة المسلمين، وتتوقع في كل يوم غزوا جديدا لها، وعندما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى بطن غران، حيث لقي الشهداء من أصحابه مصرعهم على أيدي الخونة من هذيل، ترحم على هؤلاء الشهداء ودعا لهم.
وهكذا كان بعد أن هُزمت الأحزاب في معركة الخندق، وتخاذلت القبائل العربية أمام قوة المسلمين المتصاعدة وتغيرت موازين القوى لصالح المسلمين، إذ أصبح بمقدور المسلمين المبادرة بالهجوم على أعدائهم في عُقر ديارهم، لذلك سعى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى بسط نفوذ الدولة الإسلامية الواعدة في شبه الجزيرة العربية من خلال إخضاع القبائل العربية التي تناصب المسلمين العداء، فعقد العزم على السير إلى بني لحيان، وهم من قبائل هذيل العدنانية التي هاجرت من مكة واستوطنت شمال الجزيرة العربية تحديدا منطقة العُلا في السعودية حاليا، ولقد كان السبب الرئيسي وراء خروج النبي صلى الله عليه وسلم، بجيشه من المدينة المنورة صوب ديار بني لحيان هو ما فعلوه بعشرة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، عند ماء الرجيع من آبار هذيل وهوعلى مقربة من مكة المكرمة وقد كانوا في مهمة إستطلاعية في تلك المنطقة بتوجيه من الرسول صلى الله عليه وسلم.
فقتلوهم بعد أن أعطوهم العهد بالأمان حين أحاطوا بهم إن إستسلموا ألا يصيبهم أذى وعلى رأسهم عاصم بن ثابت وخالد بن البكير وغيرهم وقد رفضوا الإستسلام وقاتلوا حتى قتلوا أما خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة وعبد الله بن طارق رضي الله عنهم، فقد رقوا لقول بني لحيان فاستسلموا آملين وفاء القوم بعهودهم لكنهم نكثوا بعهودهم وباعوا زيدا وخُبيبا لقريش الذين قتلوهما انتقاما لقتلى بدر من المشركين، أما عبد الله بن طارق فقتلوه في الطريق بعد أن حاول الفرار منهم، وقد حدث ذلك في شهر صفر من السنة الرابعة للهجرة.
غدروا بعشرة من أصحاب رسول الله


