الرحمة هي وصية القرآن الكريم
بقلم / محمـــد الدكـــروري
لقد كان رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم يغشى مخالفيه في دورهم ويأتيهم في مجالسهم تواضعا منه ودعوة لهم إلى دين الإسلام، فعن أبي هريرة رضي الله عه قال بينا نحن في المسجد إذ خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال انطلقوا إلى يهود فخرجنا معه حتى جئناهم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فناداهم فقال “يا معشر يهود أسلموا تسلموا” فقالوا قد بلغت يا أبا القاسم، وعاد صلى الله عليه وسلم يهوديا كما في البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن غلاما ليهود كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقال “أسلم ” فأسلم، فإن الرحمة هي وصية القرآن الكريم ووصية النبي الأمين صلى الله عليه وسلم حيث قال تعالى ” ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة” فعن عبد الله بن عمرو قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء الرحم،
شجنة من الرحمن فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله ” رواه الترمذي، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول ” لا تنزع الرحمة إلا من شقي” رواه الترمذي، فأين نحن من هذا الخلق العظيم الكريم وهو خلق الرحمه وما هو نصيبه من حياتنا ولنتسأل عنه في واقعنا ومعاشنا فهل نحن رحماء مع آبائنا وأمهاتنا والله عزوجل يقول ” واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ” وأين نحن من رحمة أبنائنا وبناتنا وأزواجنا والنبي صلى الله عليه وسل يقول ” من لا يرحم لا يرحم” وأين نحن من رحمة الضعفاء والمساكين من خدم وفقراء وغيرهم والله عزوجل يقول ” فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر” وأين نحن من التراحم فيما بيننا والله عزوجل يقول ” رحماء بينهم” فهي دعوة لأن نلين قلوبنا ولأن نكون محبوبين ولأن نكون حريصين على نفع الآخرين ولأجل أن يكون المجتمع متحابا مترابطا بعيدا عن كل شقاء وعناء.
فهو صلى الله عليه وسلم الذي علم أصحابه الرحمة، حتى صار الرجل المعروف بشدته وصرامته هينا لينا رحيما رؤوفا، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لولا هداية الله له، ما كان يعرف الرحمة، وما كانت عيناه تعرف الدموع ولا اللين، فكان رضي الله عنه من أقسى الناس في الجاهلية، لا يعرف المهادنة ولا يعرف الحوار ولا السهولة واللين، فلما سكب النبي صلى الله عليه وسلم إناء الرحمة في قلبه، كان أرحم الناس وأرق الناس، وقف رضي الله عنه على المنبر يوم الجمعة فغلبته عيناه فلم يستطع أن يتكلم، يأتي ليصلي بالناس فلا يسمع الناس قراءته من شدة البكاء، فكان في خديه خطان من أثر البكاء، فمن الذي جعل في قلبه هذه الرحمة؟ ومَن الذي جعله شفوقا حليما ودودا؟ فهو الذي قال مرة لأسلم مولاه أتنام الليل؟ قال نعم، قال عمر والله ما نمت منذ ثلاث، فقد جعل الله في عنقي الأرملة، والمسكين والشيخ الكبير والعجوز واليتيم.
ولقد بلغ من رحمته رضي الله عنه أنه كان يسأل عن أطفال المسلمين ماذا أكلوا، وماذا شربوا، وكيف ينامون، إنها الرحمة التي علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، ومن لا يرحم الناس لا يرحمه الله، ومن نسي حقوق الناس، وآلام الناس، ومشكلات الناس، عرّض نفسه للغضب والمقت من الله عز وجل، وعن بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه قال ” كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا بعث أميرا على جيش أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، وقال اغزوا بسم الله وفي سبيل الله قاتلوا من كفر بالله، ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا” رواه مسلم، وفي رواية أخرى يقول صلى الله عليه وسلم ” ولا تقتلوا وليدا، فهذا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته فيكم” وعن رباح بن الربيع بن صيفي قال ” كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة، فرأى الناس مجتمعين على شيء، فبعث رجلا، فقال صلى الله عليه و سلم انظر على ما اجتمع هؤلاء؟
فجاء، فقال امرأة قتيل، فقال صلى الله عليه و سلم ما كانت هذه لتقاتل، وعلى المقدمة خالد بن الوليد، فبعث رجلا، فقال صلى الله عليه و سلم قل لخالد لا يقتلن امرأة، ولا عسيفا أجيرا” رواه أبو داود، وإن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل الضعفاء أو الذين لم يشاركوا في القتال من الكافرين، كالرهبان والنساء والشيوخ والأطفال، أو الذين أجبروا على القتال، كالفلاحين والأجراء أي العمال، شيء تفرد به النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في تاريخ الحروب في العالم، فما عُرف قبل الإسلام ولا بعده حتى اليوم مثل هذا الهدي النبوي الفريد المليء بالرحمة مع من كفر به وحاربه.
الرحمة هي وصية القرآن الكريم


