الرئيسيةمقالاتالصامتون حين تتكلم العيون وتبقى القلوب بلا مترجم
مقالات

الصامتون حين تتكلم العيون وتبقى القلوب بلا مترجم

الصامتون حين تتكلم العيون وتبقى القلوب بلا مترجم

 

 بقلم : عماد نويجي

في عالم يزداد ضجيجا يوما بعد يوم تبدو فئة الصامتين وكأنها تعيش على هامش المشهد الإنساني بينما الحقيقة أنهم يعيشون في قلبه أكثر من غيرهم فهم لا يملكون وفرة الكلمات التي يستهلكها الآخرون ولا يجيدون تحويل كل إحساس إلى حديث عابر لكنهم يحملون في داخلهم عوالم كاملة لا يراها أحد

 

المغرمون بالصمت ليسوا غرباء عن الكلام بل هم أكثر الناس إدراكا لقيمته ولذلك لا يمنحونه إلا حين يستحق أن يقال إنهم يؤمنون أن بعض المشاعر تفقد نقاءها إذا خرجت من القلب قبل أوانها وأن بعض الحقائق تصبح أقل صدقا حين تلبس ثوب اللغة ولهذا يتركون للعيون مهمة البوح وللأرواح مهمة الفهم

 

نصف أحاديثهم يسكن في عيونهم تلك النوافذ التي تكشف ما تعجز عنه الألسنة ففي نظرة واحدة قد تختبئ قصة شوق طويلة وفي لمعة عابرة قد يمر وجع سنوات كاملة وفي انكسار هادئ قد تنطق خيبة لم تجد طريقها إلى الكلمات فالعيون عند الصامتين ليست مجرد أعضاء للرؤية بل هي لغتهم السرية التي لا يجيد قراءتها إلا أصحاب القلوب اليقظة

 

أما النصف الآخر من أحاديثهم فيبقى حبيس القلوب رسائل مؤجلة لم تصل إلى أصحابها وأحلام لم تجد من يصغي إليها ومشاعر ظلت تنتظر قارئا يفهم لغتها دون شرح هؤلاء يحملون في داخلهم مكتبات كاملة من المعاني لكن أحدا لا يفتح أبوابها لأن الناس غالبا ما ينشغلون بصوت الكلمات وينسون أن للصمت أيضا أبجديته الخاصة

 

ولعل أكثر ما يؤلم الصامتين أنهم كثيرا ما يساء فهمهم فيظنهم البعض متعالين وهم أبعد الناس عن التعالي أو يصفهم آخرون بالبرود بينما تخفي صدورهم أنهارا من العاطفة لا تجيد الجريان على الألسنة إنهم يدفعون ثمن عمقهم في زمن يحتفي بالسطح وثمن تأملهم في عصر يقدس السرعة

 

ومع ذلك يبقى للصمت جلاله الخاص فهو ليس غيابا للكلام بل حضورا كثيفا للمعنى وليس فراغا في التعبير بل امتلاء بما هو أكبر من التعبير فبعض الأرواح لا تستطيع أن تختصر نفسها في جمل قصيرة وبعض المشاعر أوسع من أن تحتويها المفردات

 

إن المغرمين بالصمت لا يبحثون عمن يسمعهم بقدر ما يبحثون عمن يقرأ ما وراء الصمت عمن يدرك أن العيون قد تتحدث أكثر من الخطب وأن القلوب قد تكتب رسائل لا تصل بالبريد ولا تنطق بها الشفاه

 

ولهذا يبقى الصامتون أكثر الناس امتلاء بالحكايات وأقلهم قدرة على روايتها وتبقى أعظم مآسيهم أن أجمل ما في أرواحهم قد يظل مجهولا لأن أحدا لم يتعلم بعد كيف يقرأ الرسائل التي تكتبها القلوب

 

الصامتون حين تتكلم العيون وتبقى القلوب بلا مترجم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *