هنا نابل: بقلم المعز غَنِـي
عيَّرتني بالشيب وهو وقار
يا ليتها عيَّرتني بما هو عار
هناك أشياء في هذه الحياة لا تستحق أن تكون موضع سخرية أو أنتقاص ، لأنها في حقيقتها أوسمة شرف تضعها الأيام على جباه أصحابها . ومن بين هذه الأشياء الشيب ، ذلك الزائر الهادئ الذي لا يأتي إلا بعد رحلة طويلة من التجارب والآلام والأفراح والانتصارات والانكسارات .
وقديمًا قال الشاعر :
عيَّرتني بالشيب وهو وقار
يا ليتها عيَّرتني بما هو عار
وما أصدق هذا القول وأعمق معناه ، فالشيب ليس عيبًا يُخفى ، ولا نقيصة يُعتذر عنها ، بل هو شهادة عمرٍ مكتوبة بخيوط من فضة على صفحات الرأس ، يخبر الناس أن صاحبه عبر مسافات طويلة من الحياة ، وعاشر من الأحداث ما يكفي ليعرف قيمة الأيام وتقلبات الزمان .
سألوني يومًا عن شيب شعري ، وعن تلك الخصلات البيضاء التي بدأت تتكاثر عامًا بعد عام ، فأجبتهم :
هو الزمان وما حكم ،
وأقدار تهز الجبال ،
وأقوال فيه وحكم .
فالعمر لا يقاس بعدد السنوات فحسب ، بل بما حملته تلك السنوات من تجارب ، وما تركته في النفس من أثر .
إن كل شعرة بيضاء تحمل حكاية ، وكل خط رسمه الزمن على الوجه يخفي وراءه قصة كفاح أو صبر أو إنتظار .
لقد مضى قطار العمر مسرعًا ، لا يلتفت إلى محطة ولا ينتظر مسافرًا .
أخذ معه أعوامًا من الشباب ، وترك لنا ذكريات تبتسم أحيانًا وتبكي أحيانًا أخرى .
قطار العمر يمضي ولله دره ،
بالأفراح والأتراح دمع .
كم من حلم ولد ثم تحقق ، وكم من أمنية ظلت معلقة بين الأرض والسماء ، وكم من أشخاص مروا في حياتنا ثم غابوا ، تاركين في القلب فراغًا لا يملؤه شيء .
وحين أقف أمام مرآتي اليوم ، لا أرى مجرد شعر أبيض ، بل أرى تاريخًا من الصبر والمحاولات والخيبات والنجاحات .
أرى سنوات طويلة من السعي والعمل والانتظار .
العمر طال ،
فما عدت أذكر مولدي ،
بعد أن أضعت أمسي
من يومي ومن غدي .
ومع ذلك ، ورغم كل ما مرّ من العمر ، لا يزال الحلم يسكنني ، ولا يزال الأمل يطرق باب القلب كل صباح .
فالأعمار لا تُقاس بما مضى منها ، بل بما بقي فيها من رغبة في الحياة ، وما بقي في الروح من نور .
بعد طول عمري ،
وطول صبري ،
ما زلت أحلم ،
وما زال الأمل .
إن الشيب الذي يراه البعض علامة نهاية ، أراه أنا بداية مرحلة أخرى من النضج والحكمة .
مرحلة يصبح فيها الإنسان أكثر هدوءًا وأعمق فهمًا للحياة ، وأقل أنشغالًا بالمظاهر وأكثر إهتمامًا بالجوهر .
فمن صبغ شعري بهذا اللون الوقور ، قادر على أن يبدل الحال إلى أحسن حال ، وقادر على أن يجعل ما بقي من العمر أجمل مما مضى .
فمن صبغ شعري وبدل لونه ،
عسى أن يبدل الحال على عجل .
إنه لون الوقار ، لون التجربة ، لون السنين التي علمتنا أن الإنسان لا يُقاس بملامحه ، بل بأخلاقه ، ولا بشباب وجهه ، بل بشباب روحه .
وفي شيبي عزّي وفخري ، لأنه لم يأتِ إلا بعد رحلة طويلة من الصبر والكفاح ، ولأنه يذكرني كل يوم أن العمر نعمة ، وأن كل سنة عشتها كانت هبة من الله تستحق الحمد والشكر .
لذلك فلا تسألني عن شيب رأسي ، ولا تنظر إليه وكأنه علامة ضعف أو أفول ، بل أنظر إليه كما أنظر أنا إليه : تاجًا من الوقار ، ووسامًا من الزمن ، ورسالة تقول إن الإنسان يكبر في العمر ، لكن الأحلام الجميلة لا تشيخ أبدًا .
فلا تسألني عن شيء
وأنا عنه لم أسل
والشباب هو شباب القلب
وسوف أظل شابا على الدوام
بقلم المعز غني
عاشق الترحال وروح الاكتشاف

