عدي عدنان البلداوي
منذ بداية القرن الواحد والعشرين اتسعت مساحة حرية التعبير وفضاءات التواصل الاجتماعي ، وتنوعت سبل النشر ما بين الورقي والالكتروني ، وازدهرت وتطورت الطباعة ، وامتلأت رفوف المكتبات وقاعات المعارض بأعداد كبيرة من الكتب بمختلف العنوانات والأفكار في مجالات المعرفة . اسهم ذلك كله في ازدياد اعداد مراكز الأبحاث والدراسات ، والصحف والمجلات ومنصات النشر الالكتروني ، فقد نشطت حركة الثقافة في مسارات عدّة لم تكن متاحة في السابق ، إذ صار بمقدور كل شخص التزود بما يريده من معلومات وأفكار خارج اسوار المدرسة او الجامعة . كان لثورة التكنلوجيا الرقمية وتطور تطبيقات الذكاء الاصطناعي دوره الأخّاذ في هذا الإزدهار ، فقد صار بمقدور مراكز الأبحاث والجامعات والمنظمات الثقافية والملتقيات الفكرية ان تُنظم وتُعقد عن بعد ، وان تناقش مختلف الأفكار في كل المجالات ، وهنا بدأت المنافسة بين تلك المؤسسات الفكرية والمنظمات الثقافية في تقديم الأبحاث والدراسات القريبة جداً من واقع حياة المواطن ، فبعد ظهور النشر الالكتروني وتوظيف الذكاء الاصطناعي في اعداد البحوث العلمية ، اصبح ممكناً ظهور اعداد كبيرة من باحثين ومؤلفين ومن مراكز أبحاث ، لكن المعيار في افضلية هذا المركز العلمي على ذاك ، وهذه المنظمة على تلك هو قيمة المنجز الفكري والعمل الثقافي الذي تقدّمه للقارئ الذي لم يعد مقيداُ بمصادر محدودة منذ ان وفّرت التقنية الرقمية إمكانية تحميل مئات والاف الكتب مجاناً على الانترنت ، لقد صار بمقدور كل شخص تحميل مكتبة كبيرة في ذاكرة حاسوبه الشخصي وموبايله الخاص ، وصار بمقدوره التواصل مع الاخرين بتقنية تختصر الوقت بسرعات عابرة لظروف المكان . في خضم ذلك تبرز أهمية التقييم الموضوعي لعمل مراكز الابحاث والدراسات الفكرية على أساس قدرة ما تقدّمه على ملامسة ومعالجة الواقع ، فبرغم كل الإيجابيات التي تحدثنا عنها ، هناك سلبيات ترتبت على التطور التقني الرقمي ، فقد كثرت مشاكل المجتمع بما لم يكن له عهد بها في السابق كالإدمان والانتحار والعنف الأسري والمجتمعي والجريمة المنظمة والإضطراب السلوكي والتطرف الفكري والانماط الغريبة في الطباع ، فعلى كثرة الأفكار التي ينشرها المثقفون اليوم في كتبهم المطبوعة وبحوثهم المنشورة ومحاضراتهم المسموعة ، يعيش المجتمع قلقه الكبير على حاضر ابنائه ، الى الحدّ الذي بات فيه المستقبل مجهولاً . هنا تظهر براعة ومصداقية مراكز الأبحاث العلمية في تناولها لهموم ومشاكل وتطلعات المجتمع في ظل التغيير العالمي الحاصل في مجالات الصناعة والسياسة والاقتصاد والثقافة ، من بين تلك المراكز العلمية يشخص مركز دراسات السيد الشهيد محمد باقر الصدر ( مركز دراسات الشهيد الخامس ) ليرسم علامة واضحة على دور الدراسات البحثية أمام العلامة الواضحة لدور المختبرات العلمية ، وذلك في جعل التطور في متناول الجميع من خلال الإهتمام الواضح والمتواصل بالشأن الانساني في مجالاته الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية ، وتحديداً المجتمع العراقي .
في زمن تكثر فيه أدوات الخداع والتمويه اعلامياً ومعرفياً لأغراض تجارية وسياسية ، يصعب على الناقد إعطاء تقييم موضوعي لنشاط أي مركز من مراكز الابحاث والمختبرات العلمية ، وفي تقديري ان استخدام لغة الإنسانية استخداماً علمياً لا يتعامل مع تطور التكنلوجيا كأداة مرحلية يمكن توظيفها لكسب مزيد من الزبائن في في سوق السلع والثقافة بأي وسيلة كانت ، بقدر ما يتعامل معها كأداة ضرورية مكملة لتحقيق توازن ملحوظ بين التطور العلمي والتطلع الثقافي ، لحفظ الفرد والمجتمع من التحول الى مجرد مستهلكين تقوم نوعية السلعة بتحديد درجة ثقافة احدهم . وبالحفاظ على إنسانية الانسان من خلال قيمة مادة البحث المنشورة وما يمكن ان تقدمه من وعي للقارئ ينجيه من الزيف والتفاهة والخداع والاستغفال والاستغلال التي باتت اليوم سلعاً رائجة يتاجر بها أصحاب الغايات المادية والأنانية وطلاب النفوذ والتسلط .
ان كثرة مراكز الدراسات العلمية والأبحاث الفكرية والجامعات والمدارس ليس بالضرورة مؤشراً على الرخاء الثقافي والازدهار المعرفي حتى يرافقها ازدياد واضح في استقرار الحياة واستمرارها ، اما ما نشهده اليوم من كثرة في المشاكل
الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية فهي مؤشر على ضرورة الحذر في التعاطي مع الواقع ، ولعلي لا ابالغ اذا قلت ان مركز دراسات الشهيد الخامس من المراكز العلمية المعنية بهذه الهموم من خلال جهود القائمين على تكوين اسرة فكرية قادرة على تقديم تربية وتعليم ووعي إيجابي هادف قادر على منح المجتمع طاقة إعادة بناء ذاته بعيداً عن أي عملية استثمار خارجية في هذا البناء ، وهنا مكمن الأصالة في البحث والدراسة ، وفي اقتران نشاط المركز باسم المفكر الإسلامي الشهيد محمد باقر الصدر دلالته في توضيح ذلك . برغم وجود عدد غير قليل من مراكز دراسات وأبحاث وجامعات ومؤسسات ثقافية تحمل أسماء رموز تاريخية وحضارية وفكرية وعلمية ، فإن الواقع العملي لطبيعة منهج هذا المركز أو تلك الجامعة هو الذي يمكن من خلاله معايرة تطابق الشكل مع المضمون ، وقد حظيت جهود ونشاطات مركز دراسات الشهيد الخامس ما يدعم هذا التطابق .
حول دور الفكر المعاصر في صناعة وعي المصير وضرورة التغيير (مركز دراسات الشهيد الخامس ) إنموذجاً
مراجعة وصياغة محمد سعيد الحداد
مراجعة لغوية وتحريرية عهود حسن البيومي
مراجعة وتدقيق المغيره بكري
جريدة موطني الإخبارية المحلية والدولية

