في ظل تكرار مشهد امتحانات الثانوية العامة كل عام ومع تصاعد الجدل حول ظاهرة الغش بأشكاله التقليدية والإلكترونية يصبح من الضروري أن نعيد قراءة المشكلة من جذورها الحقيقية لا من مظاهرها فقط.
إن ما نشهده اليوم من تطور في أساليب الغش باستخدام السماعات الدقيقة والنظارات الذكية والساعات الإلكترونية وتطبيقات التواصل الفوري وتقنيات الذكاء الاصطناعي ليس سوى عرض لمرض أعمق بكثير من مجرد وسائل تقنية يتم ضبطها داخل اللجان.
فالمشكلة ليست في الجهاز الذي يُخبأ بل في الضمير الذي يقبل استخدامه.
إن أخطر ما في ظاهرة الغش اليوم أنها لم تعد سلوكا طارئا داخل لجنة الامتحان بل أصبحت نتيجة تراكمات تربوية تبدأ من المنزل قبل المدرسة.
فالأسرة التي يفترض أن تكون الحصن الأول للقيم أصبحت في بعض الحالات دون وعي جزءا من المشكلة حين يسعى بعض الآباء والأمهات رغم كونهم خريجي تعليم جامعي إلى تهيئة كل الوسائل الممكنة لمساعدة أبنائهم على تجاوز الامتحان بأي طريقة كانت حتى لو كان ذلك على حساب القيم والنزاهة.
وهنا يطرح السؤال الجوهري نفسه ما الذي نتوقعه من جيل يُربى على أن كسر النظام وسيلة مقبولة لتحقيق النجاح.
إن الجهود الضخمة التي تبذلها وزارة التربية والتعليم وأجهزة الدولة في مواجهة الغش رغم أهميتها تظل محدودة الأثر إذا لم تُعالج الجذور التربوية للمشكلة.
فلا يمكن لأي نظام رقابي مهما بلغت دقته أن يحل محل ضمير حي ولا يمكن لأي كاميرات أو تقنيات أن تمنع سلوكا تشكل داخل النفس منذ الصغر.
إن الغش في جوهره ليس مشكلة امتحانات بل مشكلة قيم.
عندما يتخرج طبيب أو مهندس أو محاسب أو رجل أعمال وقد تشكل وعيه الأول على فكرة أن النتيجة أهم من الوسيلة فإننا لا نصنع نجاحا حقيقيا بل نؤسس لمستقبل هش قابل للانهيار.
فالمجتمع الذي يكافئ الغش ولو بشكل غير مباشر ينتج أجيالا تعرف كيف تحصل على المناصب لكنها لا تعرف كيف تحافظ عليها بأمانة وكفاءة.
وهنا تكمن الخطورة الكبرى أن يتحول النجاح من قيمة أخلاقية إلى مهارة تحايل.
لقد سبق الإسلام جميع النظريات التربوية الحديثة في التأكيد على أن العلم لا ينفصل عن الأخلاق.
فالله سبحانه وتعالى علم آدم عليه السلام الأسماء كلها قبل أن يكلفه بعمارة الأرض وفي ذلك دلالة واضحة على أن المعرفة تبدأ بالوعي والتعلم.
كما أن إرسال الرسل والأنبياء عبر التاريخ لم يكن لنقل المعرفة فقط بل لإتمام مكارم الأخلاق وتقويم السلوك الإنساني.
وجاء النبي محمد صلى الله عليه وسلم ليؤكد هذا المعنى الخالد بقوله إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.
فالعلم بلا أخلاق أداة خطرة والمعرفة بلا ضمير قد تتحول إلى وسيلة هدم لا بناء.
من أخطر الآثار النفسية والاجتماعية لانتشار الغش أن الطالب الملتزم بالأخلاق والقيم يشعر أحيانا بالإحباط حين يرى غيره يتجاوز النظام ويحصل على نتائج أعلى.
هذا الشعور إذا لم يُعالج قد يدفع بعض النماذج النزيهة إلى فقدان الإيمان بعدالة المنظومة أو حتى الانزلاق تدريجيا نحو السلوك الخاطئ تحت ضغط الواقع.
وهنا تتحول المشكلة من فردية إلى مجتمعية ومن تعليمية إلى ثقافية.
إن القضاء على الغش لا يتحقق فقط بتشديد الرقابة أو تطوير أدوات التفتيش بل يتحقق عندما تتحول الأمانة إلى قيمة مجتمعية راسخة تبدأ من الأسرة وتمر بالمدرسة وتستقر في الوعي العام.
فحين يدرك الطفل منذ سنواته الأولى أن النجاح لا يُبنى على كسر القواعد بل على احترامها نكون قد قطعنا نصف الطريق نحو مجتمع نظيف تربويا وأخلاقيا.
إن بناء الأوطان لا يتم بالشهادات وحدها بل يتم أولا ببناء الإنسان.
فإما أن نُخرج أجيالا تحمل علما وأمانة أو نُخرج أجيالا تحمل شهادات بلا ضمير.

والمستقبل لا يرحم المجتمعات التي تفرط في قيمها لأن العلم حين ينفصل عن الأخلاق يتحول من أداة بناء إلى أداة انهيار.
ومن هنا فإن البداية الحقيقية لأي إصلاح تعليمي ليست في قاعات الامتحانات بل في كل بيت وكل أسرة وكل ضمير إنساني يُربي ويُوجه ويغرس معنى أن النجاح الحقيقي لا يُشترى ولا يُغش بل يُبنى بالصدق والعمل.
خطى الوعي DrEng Medhat Youssef Moischool مجلس النواب المصري – Parliament of Egypt المتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية-Spokesman for the Egyptian Presidency رئاسة مجلس الوزراء المصري وزارة التربية والتعليم المصرية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي المصرية
من هنا نبدأ…
من تربية الضمير تبدأ معركة الغش… لا من لجان الامتحان
د. م. مدحت يوسف

