عاشوراء
بقلم/ الكاتب حميد يركي
شهدت شعائر عاشوراء تحولا نوعيا في منتصف القرن الرابع الهجري مع صعود الدولة البويهية وسيطرتها على بغداد، ففي سنة 352هـ/963م أمر معز الدولة البويهي بإظهار الحزن العام في يوم عاشوراء، وتعطيل الأسواق، وإغلاق المتاجر، وخروج الناس في مواكب العزاء، وارتداء السواد، وإقامة مراسم النياحة بصورة علنية، ويعد هذا القرار أول اعتراف رسمي من سلطة حاكمة بإحياء عاشوراء على نطاق واسع،
ولذلك ينظر كثير من المؤرخين إلى هذه المرحلة بوصفها بداية انتقال المأتم الحسيني من دائرة الإحياء الخاص إلى الشعيرة العامة ذات الطابع الاجتماعي والسياسي، ومنذ ذلك التاريخ أخذت شعائر عاشوراء تتطور تدريجياً، فظهرت أماكن مخصصة لإقامة مجالس العزاء، ثم انتشرت الحسينيات والتكايا في عصور لاحقة، وتنوعت أساليب الإحياء بين منطقة وأخرى تبعا لاختلاف البيئات والثقافات، كما أسهمت الدول الشيعية التي قامت بعد البويهيين، ولا سيما الدولة الصفوية، في توسيع نطاق هذه الشعائر وترسيخها ضمن الحياة الدينية والاجتماعية.

وعليه، فإن القول بأن هذه الشعائر لم تكن موجودة قبل سنة 350هـ يحتاج إلى شيء من الدقة؛ فالأصح تاريخياً أن أصل إحياء هذه الذكرى كان قائما منذ استشهاد الإمام الحسين، لكنه اقتصر على البكاء والرثاء والمجالس الخاصة وزيارة القبر، أما المظاهر الجماهيرية المنظمة، مثل المواكب، وتعطيل الأسواق، ورعاية الدولة للمراسم، فقد بدأت بالظهور بصورة واضحة في العصر البويهي، ولا سيما بعد سنة 352هـ، لتصبح فيما بعد تقليدا راسخا في عدد من المجتمعات الإسلامية.


