الرئيسيةUncategorizedتحول الروح من
Uncategorized

تحول الروح من

تحول الروح من

تحول الروح من ظلال الفوبيا إلى أحضان المودة

قصة قصيرة بقلمي زينب كاظم

في طفولتي البعيدة، كانت البراءة تقود خطاي. أتذكر ذلك اليوم جيداً في حديقة منزلنا، حين أطلت قطة صغيرة ينهشها الجوع. بحس طفولي نقي، هرعتُ أجمع لها الأطايب مما أحضره والدي، أطعمتها حتى شبعت، وفي غمرة رغبتي بأن أتقرب منها أكثر، مددتُ يدي الصغيرة بالزاد… فكان الرد عضة مفاجئة، تفجر منها الدم، وتفجرت معها في داخلي أسوار من الرعب البكر.
لم تكن تلك العضة جرحاً في الجسد فحسب، بل كانت شرخاً في الطمأنينة. انسحبتُ بطفولتي إلى خلف جدران الخوف، وغذّت مخيلتي الصيد الخصب قصصُ الأساطير عن قطط مسكونة بالجان، وحكايات عن القطط السوداء التي تجلب الشؤم. تحولت تلك الكائنات الأليفة في عيني إلى أشباح مخيفة، فكلما لمحتُ طيف قطة، كان صراخي يدوّي كأنني رأيت شيطاناً رجيماً. غمرني خوف وتشاءمٌ كنت أعلم في قرارة نفسي أن ديننا الحنيف ينهى عنه، لكنه كان شعوراً يقيدني رغماً عني، حتى باتت القطط تطاردني في منامي، فأستيقظ فزعة، مرعوبة، تائهة في دهاليز فوبيا دامت سنوات طوال.
ومع مرور السنين، كنت أسمع دائماً مقولة تتردد إن حب الحيوانات للإنسان دليل على روحانية عالية وطاقة نقية. العجيب أن الحيوانات والقطط كانت تنجذب إليّ وتعشقني، لكن قلبي كان موصداً بمفتاح الرعب. كنت أسمع المربين يتحدثون عن الطاقة الإيجابية التي تبثها القطط في البيوت، وكيف أن إطعامها يفتح أبواب الرزق، فأنصتُ بذهول مستبعدةً تماماً أن يلين قلبي لها يوماً.
حتى جاء ذلك اليوم الذي كسر الرتابة…
جلبت ابنتي قطة إلى المنزل، واحتضنتها في غرفتها مراعاة لخوفي الشديد. مدفوعة بفضول خفي، ذهبتُ لألقي نظرة؛ رأيتُ كائناً بريئاً جميلاً، لكنه كان مستوحشاً يرفض لمس البشر، فلم تلبث ابنتي أن أعادتها لأصحابها بعد أيام.
لكن القدر كان يخبئ لي انعطافاً مدهشاً؛ فبعد يومين فقط، طرقت بابنا قطة أخرى… قطة هادئة، مسالمة، تنضح بالطمأنينة. ههنا، تلاشت غيوم الفوبيا فجأة أمام سيل الحنان الذي يتدفق في عروق أسرتي الحنونة. أخذناها، حممناها، وأطعمناها، لتصبح جزءاً منا. لكن المفاجأة كانت عندما علمنا أنها قطة جيراننا، وأنها أم حديثة العهد يجب أن تعود لصغارها!
عشنا حيرة مربكة لسنا بقادرين على تربية هررة صغيرة، ولا بقلوبنا قسوة تفصل الأم عن أولادها. حسمنا أمرنا وجلبنا الصغار مع أمهم، لكننا اكتشفنا إصابتهم بالقراد، فاضطررنا لإعادتهم مكرهين لبيت الجيران.
في الأيام التي غابوا فيها عنّا، أحسسنا بمرض حقيقي، لفّ المنزلَ حزنٌ شفيف، فقد تعلقت أرواحنا بهم، وخاصة بذلك القط الصغير الفاتن الذي يشبه النمور بروعته وكبريائه. لكن المحبة الصادقة مغناطيس لا يخطئ؛ فلم تحتمل الأم بعدنا، وعادت إلينا بشوق ولهفة، باحثة عن أحضاننا الدافئة، ووجوهنا المبتسمة، وطعامنا النظيف. ولم يمضِ يوم واحد حتى لحق بها ابنها النمر الصغير!
اليوم، رتبتُ لهما مكاناً في قلبي قبل بيتي، أربيهما بكل حب وخوف عليهما، ويبادلانني عشقاً بعشق. لكن فرحتي لم تكتمل؛ فقد بات شغلي الشاغل وهامش قلقي الجميل هو البحث عن باقي أولادها. لقد تفرقوا، ولا أعلم في أي أرض هم الآن، ولا تحت أي سقف ينامون. أحاول جاهدة، وأبحث بلا جدوى، ويتوق قلبي لجمع شمل تلك العائلة الصغيرة مجدداً تحت ظلال رعايتي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *